الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ نوفمبر-٢٠٢٥       32340

بقلم - أحمد صالح حلبي 

"رب صدفة خير من ألف ميعاد " ، مثل يردد عن لقاء حدث دون سابق تحديد له ، ويكون من أجمل اللقاءات التي لا تنسى كما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش " أجمل ما في الصدفة أنها خالية من الانتظار" ، وفي الصدفة " تأتيك الأشياء الجميلة عندما تكف عن انتظارها"  حسب قول الكاتب والممثل والمخرج الروسي أندري تاركوفسكي . 
والصدفة هي من مكنتني من الحصول على نسخة من كتاب " أبونا عمر ... تميز وريادة واصالة " ، أثناء دخولي لقاعة إسماعيل أبو داود بالجمعية العربية السعودية للثقافة  والفنون بجدة ، لحضور أمسية " صنعة ابوك لايغلبوك " للدكتورة هند باغفار ، والتي نظمها صالون الكلمة الثقافي ، وهو عبارة عن قصة المربي الفاضل عمر يحي عبدالجبار ، روتها أ . د .  ابتسام عبدالرحمن حلواني . 
وحينما لامست يداي الكتاب الذي جاء في أكثر من مائتان وعشرون صفحة من الحجم المتوسط ، عادت بي الذاكرة لعقود مضت تذكرت فيها والدي وعمتي ـ يرحمهما الله ـ ، كما تذكرت شقيقتي وابنة عمتي اللواتي درسن بمدارس الزهراء التابعة للأستاذ  عمر يحي عبدالجبار ، ومع تلك الذكريات أخذت أقلب صفحات الكتاب . 
لكن قبل أن أبدا في تقليب الصفحات توقفت أمام كلمة للأستاذ عمر عبدالجبار ـ يرحمه الله ـ عام 1385 هــ يخاطب فيها بناته عبر الأجيال قائلا : " جميل جدا أن تكون باكورة إنتاجكن كتاب الزهراء الذي يعبر عن نشاطكن الدراسي وآمالكن في العهد السعيد". 
ومضى ـ يرحمه الله ـ قائلا : " وكانت أمنيتي الوحيدة بمناسبة اعتلاء جلالة الملك فيصل عرش البلاد ، تأسيس كلية للطب لحملة الشهادة التوجيهية ، قسم علمي ، وعدم ابتعاثكن للخارج وتكون نواة لتخريج طبيبات لمستشفياتنا في المستقبل " .
واليوم أقول للأستاذ / عمر عبدالجبار ـ يرحمه الله ـ  إن ما كنت تطمح إليه تحقق ولله الحمد ، فقد عملت الدولة ـ أيدها الله ـ على تمكين الفتيات السعوديات من الالتحاق بكليات الطب التي بلغ عددها  26 كلية بالجامعات الحكومية السعودية ، إضافة إلى 15 كلية بالجامعات الخاصة .
ومن بعد تلك الكلمة أو الأمنية جاءت المقدمة التي قالت فيها الراوية  : " كنا ـ بنات الزهراء ـ نرغب في أن نفعل أي شيء تقديرا لذلك الرجل المتميز ، لذا جاء هذا الكتاب ليكون مجرد رمز صغير نعبر من خلاله عن شكرنا وتقديرنا ، كما نعرف الأجيال الجديدة والقديمة على حسن صنيعه وبذله إضافة إلى تعليم أبنائنا وبناتنا معنى الوفاء وأهميته وقيمته " . 
ووفاء لما قدمه الأستاذ عمر عبدالجبار ـ يرحمه الله ـ برز الكتاب من خلال جهد بذلته بنات المدارس حيث شكلت لجان للعمل ، بدأ من اللجنة الاشرافية ، وخمسة لجان أسندت لكل لجنة مهام ومسؤوليات ليخرج العمل جامعا شاملا لأعمال قدمت ، وجهود بذلت . 
وكانت أولى الوقفات أمام قصة تعليم البنات بمكة المكرمة ، التي انقسم أفراد المجتمع أمامها إلى ثلاث فئات ، الفئة الأولى لا تؤمن بتعليم البنات ، أما الفئة الثانية فترى من الضروري أن تتعلم الفتاة لكنها تخشى المجتمع المعارض ، وتخاف على سمعة بناتها من أفراده . 
فيما نجد الفئة الثالثة يقتنع أفرادها بأهمية العلم للفتاة وضرورته وحتمية السعي في تعليمها ضاربة عرض الحائط بأي اتهامات أو اعتراضات . 
وتناول الكتاب جهود الملك سعود والملك فيصل ـ يرحمهما الله ـ لتمكين الفتاة من التعليم . 
كما تناول صفات ووظائف ورحلات ومؤلفات الأستاذ عمر عبدالجبار ـ يرحمه الله ـ ، ونماذج من أهدافه ، ودعم الملك فيصل ـ يرحمه الله ـ له . 
ولم يغفل الكتاب قصة رحيل الرمز الأستاذ عمر عبدالجبار الذي كان يوم 16 محرم 1391 هــ ، وما قيل عنه من رثاء دونته أقلام علماء وأدباء ومفكرون وأساتذة جامعات ، إضافة لبعض أفراد اسرته . 
وأفردت مساحة جيدة من الكتاب للمدارس  والاداريات  والمعلمات ، ولم يغفل الخريجات فتم ذكرهن سواء من اللواتي واصلن تعليمهن وتولين مناصب وظيفية وتعليمية ، أو أولئك اللواتي توقفن عن مواصلة التعليم وارتبطنا بالحياة الأسرية ، أو من توفاهن الله . 
وأختتم اكتاب بقصيدتين الأولى بعنوان ( زهراؤه لا كالمدراس ) للدكتورة خديجة عبدالله سرور الصبان ، والثانية ( تحية لمدرسة الزهراء ) للدكتور ليلى إسحاق عزوز . 
كما ضم قائمة بأسماء طالبات المدراس من عام 1378 ــ 1393 هــ . 
وفي الختام أقول : إن " الوفاء هو خصلة اجتماعية خلقية تتمثل في التفاني من أجل قضية ما أو شيء ما بصدق خالص والوفاء أصل الصدق ، وقيل في الفرق بين الوفاء والصدق: هما أعم وأخص، فكل وفاء صدق، وليس كل صدق وفاء ،  فإنَّ الوفاء قد يكون بالفعل دون القول، ولا يكون الصدق إلا في القول؛ لأنَّه نوع من أنواع الخبر، والخبر قول ".
وبروز هذا الكتاب من مجموعة من طالبات مدارس الزهراء جاء ليؤكد وفائهن  للأستاذ / عمر عبدالجبار ـ يرحمه الله ـ ويذكرنا بقول الشاعر الدكتور وائل جحا : 
لولا المُعَلِّمُ مَا كَانَ الأَطِبَّاءُ 
ولا تَفَنَّنَ في الإعمَارِ بَنَّاءُ
فَلْتُكْرِمُوهُ ولا تَقسوا عَلَيهِ فَمَا
أَهَانَهُ غَيرُ مَن في عقلِهِ دَاءُ
دَاءُ الجهَالَةِ بالإذلالِ يَدفِنُنُا
والعِلمُ نُورٌ بهِ للمَجدِ إحياءُ
مُعَلِّمِي سَوفَ تَبقَى لي السِّراجَ وإن
بَعُدتَ عنِّي فللأرواحِ إسرَاءُ
رحم الله الأستاذ / عمر عبدالجبار ، وجزاه خير الجزاء على ما قدم