النهار

١١ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ نوفمبر-٢٠٢٥       14850

بقلم - علي بن عيضة المالكي

رعاية الأيتام لم تكن في يوم من الأيام عمل يمارس على الهامش، إنما هي جوهر إنساني عميق، يعيد إلى المجتمع توازنه ويجعل من الرحمة قيمة عملية وليس شعارًا يُرفع.

إنها تجربة يعيش فيها الإنسان معنى العطاء في أنقى صورة، حين يمتد قلبه قبل يده إلى من فقدوا الحنان، فيصبح لهم سندًا بعد انكسار ودفئًا بعد الفقد.

موضوعنا اليوم في منتهى الأهمية، لفئة غالية على قلوبنا، تسعى الجمعيات والمنظمات الخيرية إلى رعايتهم، والاهتمام بهم ، وإعادة الحياة إليهم بعد فقدهم لأغلى سند على الاطلاق ، والذي لن يحل عنه بديل مهما عملنا ، ومهما اجتهدنا ، فالأبوين هما الحياة ، وهما السند الأبدي ، وفقدان أحدهما أو كليهما هو بمثابة الموت في الحياة.

لذلك نشأة فكرة جمعيات رعاية الأيتام وكفالتهم ؛ كون اليتيم لا يفقد أحد والديه، بل يفقد الأمان الأول الذي يقيه من قسوة العالم. تتشكل في داخله فجوة عاطفية لا تُملأ بسهولة، وقد تمتد آثارها إلى سلوكه وثقته بنفسه وتعامله مع الآخرين. ومن هنا ( أيضا ) كان توجيه الإسلام عميقًا ودقيقًا حين ربط رعاية اليتيم بالإيمان، لأن الفعل لا يُراد به التعاطف المؤقت، إنما بناء إنسان جديد قادر على الحياة والنجاح.

لقد أورد القرآن الكريم آيات عديدة في رعاية اليتيم ، تختصر فلسفة الرحمة ، فالقهر المعنوي أشد من الفقر المادي ، واليد التي تمتد لتربت على كتف اليتيم تعيد ترتيب قلبه قبل أن تسد جوعه وحاجته.

حين نسمع بكفالة اليتيم، يتبادر إلى الذهن الإنفاق المالي، لكنه في الحقيقة مفهوم أوسع وأغنى. الكفالة تعني الرعاية الشاملة التي تشمل:

الدعم المادي الذي يضمن الحياة الكريمة، ثم تجيء الرعاية التربوية التي تبني الشخصية وتغرس القيم.، يلي ذلك الاحتواء النفسي الذي يرمم آثار الفقد، بعدها يأتي دور الدمج الاجتماعي الذي يمنع العزلة ويصنع الانتماء.

فاليتيم يحتاج إلى من يقول له: “أنت لست وحدك نحن معك والجميع إلى جوارك ، يحتاج إلى من يرى فيه القدرة لا العجز، والأمل وليس الشفقة.

 

لقد جاء الإسلام ليفسر لنا كيف نتعامل مع اليتيم ، لذلك لم يجعل رعايته عملًا تطوعيًا ليس إلا، لكنه ربطها بمراتب الإيمان والجزاء في الآخرة فالرسول الكريم أوصانا بهم وبرعايتهم وأوجز لنا المقام الرفيع لكافل اليتيم ومن اعتنى به حين أخبرنا أن من يكفلهم ويرعاهم له جزاؤه العظيم يوم تعرض أعمال الإنسان ، أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار إلى السبابة والوسطى جملة عظيمة لها مدلولها الإيمان العميق.

تلك الجملة الوجيزة تحمل وعدًا عظيمًا، ليس لأن الإسلام يطلب الإطعام والكساء، غير أنه يرى في رعاية اليتيم ترميمًا للإنسان، واستمرارًا لمعنى الرحمة في الأرض.

رعاية الأيتام لا تصنع حياة أفضل لهم، هي بالتأكيد تصنع مجتمعًا أكثر استقرارًا. فحين نُعنى بالأيتام، فإننا نحميهم من الانحراف، ونمنحهم فرصة ليكونوا فاعلين لا عبئًا ثقيلاً..

إن كل يتيم متعلم، وكل نفس مشبعة بالكرامة، هي مشروع إنسان منتج يسهم في البناء ولن يكون معولاً في الهدم.

ولهذا فإن دعم مؤسسات الأيتام وتمكينها من تقديم برامج تعليمية وتدريبية هو استثمار في مستقبل الوطن، وليس مجرد إحسان لحظي.

رعاية الأيتام تكشف عن البعد الأسمى في النفس البشرية، فحين يتفاعل الإنسان مع ألم غيره، يُعيد اكتشاف طهارته الداخلية. إنها تجربة تُطهّر القلب من الأنانية، وتمنحه اتساعًا جديدًا للحب والعطاء.

والأيتام بدورهم لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر حاجتهم إلى المشاركة؛ إلى من يشاركهم الحلم، ويؤمن بأنهم قادرون على تجاوز الجرح. فكم من يتيمٍ خرج من دائرة الضعف إلى فضاء القيادة والإنجاز، لأنه وجد من آمن به في لحظة انكسار.

المسؤولية في رعاية الأيتام جماعية، تبدأ من الفرد وتنتهي بالمؤسسة والدولة. فالمجتمعات التي تبني برامج مستدامة لرعاية الأيتام تعزز أمنها الاجتماعي، وتُعيد تدوير الرحمة في أوصالها.

وينبغي أن تتكامل الجهود بين القطاع الحكومي، والجمعيات الأهلية، والأفراد؛ لتتحول الرعاية من مجرد إعانة إلى مشروع تنمية بشرية متكامل.

 

رعاية اليتيم ليست مجرد علاقة بين معطي وآخذ، هي قطعًا علاقة تُربّي في كافل اليتيم صفات العطف والتواضع والرحمة، وتمنحه سكينة لا تُقاس بالمال. إنها تذكير دائم بأننا جميعًا في هذه الحياة أيتام بشكل أو بآخر، نحتاج إلى دفء الآخرين كي نكمل الطريق.

آخر القول:

رعاية الأيتام ليست واجبًا يُؤدى، إنه رسالة ينبغي أن نعيشها بكل تفاصيلها. إنها فعل إيمان يتجاوز الألفاظ إلى السلوك، ويزرع في الأرض شجرةً من الرحمة تظلّل القلوب بأكملها.

فكل يد تمسح دمعة يتيم إنما تزرع في السماء نجمًا يقول ابن حجر العسقلاني: إن أعظم ترغيب في الاحسان إلى اليتيم هي مجاورة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة وهي منزلة لا يبلغها إلا من عظم عمله وخلصت نيته.