النهار
بقلم - سيماء المزوغي
يتّخذ المسرح في مسرحية جاكرندا شكل جرح أخضر مفتوح، إذ ينبثق العرض من هشاشة الإنسان اليومية، من تفاصيل بسيطة ظاهريًا بيد أنها تُخفي داخلها شبكة من المعاني الثقيلة، كالخوف، الانتظار، الضجر، والاغتراب. أما المكان هو “مركز نداء”، غير أنّ خلف هذه اللافتة التقنية ينبض شيء أعمق، فضاءٌ تتحول فيه اللغة إلى قيد، والصوت إلى أداة استنزاف، فكل نداء لا يفضي إلى تواصل، إلى أن فُقدت المعنى وتهاوت..
تبدو جاكرندا وكأنها محاكمة هادئة لعصرٍ يبتلع الكلمات ويجترّها دون جدوى، فالشخصيات تنادي ولا تُسمع، تردّد عبارات ميكانيكية تُشبه أصوات الآلات، ثم تغرق في صمتٍ كثيف كأنها تخشى أن تُفكّر أو أن تحسّ.. إلى أن أصبح الصمت استسلاما، يكتشف أنّ الإنسان أصبح موظفًا مجرّدا من إنسانيته، في خدمة آلة ضخمة اسمها "الواقع". من هنا تنشأ "جمهورية الصمت"، دولة بلا علم، يحكمها الخوف ويعيش مواطنوها في عزلة جماعية، متجاورون بل ملتصقون دون تواصل، متحدون بالصمت العقيم وحده.
داخل هذه الجمهورية تتجسد المأساة النفسية الحديثة، الإنسان المراقَب الذي يراقب نفسه أيضًا. وحتى القمع الخارجي لم يعد بحاجة إلى سلطة فوقية صارخة، فقد تمكّن النظام من بناء نسخة داخلية من السجان في قلب كل فرد. وحين يتحدث، يزن كلماته كما لو أنه يوقّع اعترافًا.. وحين يصمت، يختبئ من ذاته. إنها لعبة الانقسام الداخلي.. الضحية التي تحمل وجه جلادها.. والمسرحية التي تُفكك هذا الارتباك الأخلاقي بلغة مسرحية مشحونة، تُشبه حلمًا طويلًا يختلط فيه الحقيقي بالهذيان.
من هذا الحلم ينبثق رمز الشجرة التي تسمى الجاكرندا، تلك الشجرة التي تزهر بنفسجًا في المواسم العابرة.. فالجمال الذي تخلّفه أوراقها لا يدوم، لكن أثره يبقى في الذاكرة البصرية. في العرض، تتحول الجاكرندا إلى استعارة للذاكرة الهشّة، للزمن الذي يمرّ في صمت ويترك وراءه لونًا شاحبًا على أرواحنا. كل زهرة تُذكّرنا بما انكسر دون ضجيج. لهذا، حين تنزل الزهرات البنفسجية على الأرض، تبدو ككلمات سقطت من أفواه أُغلقت قبل أن تكتمل الجملة.
تقدّم جاكرندا مشهدًا عميقًا لانهيار اللغة.. إذ تعاد الأصوات بصيغة متكررة، كأنها شيفرات عمل أو تعليمات مبرمجة.. وهنا يكمن جوهر المأساة، فالكلمة عوض أن تكون وسيلة للتواصل، غدت وسيلة للامتثال. بهذا المعنى، تضعنا المسرحية أمام مفهوم “اللسان المقطوع”، كناية عن مجتمع تآكلت فيه القدرة على القول، وعن بشرٍ يتحدثون بلسانٍ مأجور.. بلسان "الذكاء" الاصطناعي، مثلا، داخل شبكة رمزية من الأوامر والردود الجاهزة.. فالحرية هنا أو بالأحرى في عالمنا أصبحت مرادفًا للوهم من هذه الزاوية.. والمقاومة تتحول إلى أداء مسرحي داخل حدود النظام نفسه. هكذا تصير جاكرندا نصًا عن تفكيك "اللامعنى" و"الا جدوى"..
تتحول اللغة إلى برمجيات صوتية، أصوات ميكانيكية متكررة، صمت مستبد، امتثال مكتوب على جسد الشخصيات. وكل جملة هي توقيع على الانصياع، وكأنّ المسرحية تكشف أن المواطن التونسي اليوم يعيش تجربة مشابهة، كل كلمة مراقبة، كل صمت محاولة للبقاء حيًا، كل صوت مكبوت يحمل ثقلًا اجتماعيًا ونفسيًا.
وهنا يمكن أن نقول أنّ اللسان المبتور يصبح استعارة سياسية، فاللغة التي لم تُستخدم، والكلمة التي لم تُنطق، والقمع الذي يفرضه الواقع، كل ذلك يجعل المواطن يعيش داخل “جمهورية الصمت”، حيث الصمت أداة بقاء، والكلمة قوة ممنوعة.
تتقلّب الشخصيات هنا بين التمرد الداخلي والاستسلام. كل صمت هو إعادة ضبط للذات، وكل كلمة هي توقيع على امتثال داخلي. فتونس اليوم ليست بعيدة عن هذا المشهد، إذ أنّ المواطن يريد الكلام لكنه يخاف العواقب، فالمسرحية تكشف معنى المجهود اليومي للحفاظ على الذات وسط واقع سياسي واجتماعي خانق، حيث يصبح كل فعل اختبارًا للوعي الشخصي والجماعي، وتصبح كل لحظة مواجهة مع الذات، تجربة فلسفية وجودية.
أما الإيقاع البطيء، التكرار، انتظار المكالمة، كلها أدوات تحكم في الوعي.. حيث يمكن أن نعرّف الملل بسلاح لإعادة تشكيل العقل/ بمعنى أن يصبح الفرد امتدادًا للمؤسسة، ونسخة مهذبة من النظام، منغمسًا في الروتين، بلا مقاومة واضحة، وحتى حيويته تصبح امتثالًا صامتًا خانعا.
عندما نتأمل في الجاكرندا للمسعودي، نتبيّن أنه قارئ جد حاد للواقع التونسي، ومحلل للغة، للصمت، للفن والسياسة. إذ أنّ اختياراته الرمزية تجعل المسرح مختبرًا للوعي، فكل تفصيل، صوت، حركة، تعكس معنى الامتثال، الملل، الصمت الجماعي، والانقسام الداخلي للمواطن. كأنه ناقد وممارس في آن ، يضع المسرح كأداة لإعادة صياغة الوعي الفردي والجماعي، ويعلمنا أن الفن لا يقتصر على الجمال، بل على الكشف عن هشاشة الحياة.
يمكن أن نقول أنّ المسرحية هنا هي مختبر متعدد الطبقات للوعي الإنساني والفكري والاجتماعي والسياسي. عبد الحليم المسعودي يصوّر هشاشة الإنسان اليومية، الانقسام النفسي والاجتماعي والسياسي، ويحوّل المسرح إلى جهاز لإحياء الوعي، يسلّط الضوء على الصوت المكبوت، الصمت الثقيل.. وكلها أدوات لإعادة تعريف وظيفة الفن وتعليم المواطن التونسي الكلام من جديد وسط واقع سياسي واجتماعي قاسٍ وصامت.