النهار
بقلم - لواء م عبدالله ثابت العرابي الحارثي
في المجتمعات الناضجة، يُعدّ الحوار من أرقى صور الوعي، لأنه مساحة لتبادل المعرفة وتلاقح الأفكار. غير أن بعض الأشخاص حولوا هذه المساحة إلى ميدان استعراض، لا يبتغون فيه الحقيقة، بل يسعون من خلاله إلى الظهور والتفرّد.
يُصاب البعض بما يمكن تسميته بـ هوس الظهور، وهو حالة نفسية وفكرية تدفع صاحبها إلى تضخيم ذاته وإقحام رأيه في كل نقاش، ظنًّا منه أن الاختلاف الدائم نوع من الذكاء، وأن مخالفة السائد دليل على التميز.
غير أن ما يجهله هؤلاء أن الإفراط في لفت الانتباه لا يصنع فكرًا، بل يُحدث تشويشًا فكريًا وضجيجًا لفظيًا يرهق المجالس وينفّر منها العقول.
يحمّلون الأمور أكثر مما تحتمل، ويتظاهرون بأنهم يرون ما لا يراه غيرهم، وأنهم يفكرون “خارج الصندوق”، مع أن المشكلة ليست في الصندوق، بل في ضيق أفق النظر إليه.
وحين تُحاورهم، يظنون أن النقاش تهديد لمكانتهم، فيتحولون من الحوار إلى الخصومة، ومن الفكرة إلى الشخصنة. فإما أن تتفق معهم في الرأي، أو تُتّهم بأنك تحاول قطع حبل أفكارهم أو تنتقص من حضورهم.
لقد أصبح بعضهم – للأسف – مصدر توترٍ وتشويشٍ للمجالس الفكرية، لأنهم لا يأتون بحثًا عن المعرفة، بل عن دور البطولة في كل حديث.
ينتقلون من مجلس إلى آخر، لا يتركون أثرًا معرفيًا ولا بصمة فكرية، بل أثرًا من الملل والنفور. فهم كما يُقال “أهل عمود رحّالون”؛ لا يستقرّ بهم مجلس ولا تأنس بهم صحبة.
ومع مرور الوقت، تحوّلت المجالس على أيديهم من فضاءات للحوار إلى ساحات حربٍ كلامية، ومن منصاتٍ لتبادل الفكر إلى مزاداتٍ للفوز والخسارة.
صار هدفهم ليس الوصول إلى الحقيقة، بل تسجيل النقاط والانتصار اللفظي، وكأن كل رأي معركة وكل نقاش ميدان صراع.
فبدل أن تبني الحوارات جسور التفاهم، هدموها بجدالٍ عقيمٍ وسجالٍ لا يثمر إلا فرقةً وضيق صدر.
إن مواجهة هذه الفئة لا تكون بالإقصاء، بل بـ الوعي والحزم.فالوعي يكشف خواءهم الفكري، والحزم يحدّ من حضورهم المربك.
فليس كل من يرفع صوته صاحب فكر، ولا كل من يخالف رأيًا يُعدّ مفكرًا.
الفرق بين من يفكر خارج الصندوق ومن يهدم الصندوق هو احترامه للعقول التي أمامه؛ فالأول يضيف إليها، والثاني يُسقطها ليعلو فوق أنقاضها.
وحين تتسع المجالس للفكر الناضج، والقول المسؤول، والحوار الهادئ، لن يبقى لمثل هؤلاء موطئ قدم، لأن النور لا يُجالس الظل، والعقلاء يصنعون الفكرة، والمتعالمون يصنعون الضجيج.