الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ اكتوبر-٢٠٢٥       11055

بقلم - نوره محمد بابعير 
في حلقةٍ من  برنامج الفيلسوف  الذي يقدّمه الدكتور شايع الوقيان، وكان ضيفه فيها الناقد والمفكر الدكتور عبدالله الغذامي، بدا المشهد كما لو أنه لقاء بين عقلين يستفزّ كلٌّ منهما الآخر نحو مزيدٍ من التفكير.

لم يكن حوارًا عابرًا بين مذيع وضيف، بل كان تفاعلاً فكريًا حيًّا تتبادل فيه الأسئلة والأجوبة أدوارها، فيتحوّل السؤال إلى إجابة، والإجابة إلى سؤال جديد.

حين يكون المذيع مثقفًا، والضيف مثقفًا، يصبح الحوار مساحة تفكير لا مساحة عرض. يتجاوز الحديث الطابع التقليدي نحو عمقٍ فلسفي يحرّك الذهن، ويستدعي التأمل.

وهذا ما فعله الوقيان والغذامي؛ إذ لم يقدّم الوقيان أسئلة جاهزة، بل مارس دور الفيلسوف الذي يطرح ما يُحرّك لا ما يُرضي، فيما جاء الغذامي بعقلٍ نقدي يشتغل على تفكيك المفاهيم وإعادة بنائها.

لقد بدا واضحًا أن التفكير الناقد الذي يمارسه الغذامي ليس تمرينًا ذهنيًا فحسب، بل هو محاولة لخلق وعيٍ يقظٍ بالعقل نفسه، وللسؤال عن طريقة تفكيره قبل أن يصدر أحكامه.

وهنا تحضر الفلسفة في أجمل صورها: لا لتُثقل النقاش بالمصطلحات، بل لتُضيء الطريق إلى الفهم.

إن قيمة الفلسفة لا تكمن في الإجابات النهائية، بل في الرحلة نحو الصواب أو التقريب منه. فالعقل الذي يتعلّم كيف يسأل، ويتأمل، ويشك، هو عقلٌ يمارس حريته في أرقى صورها.

وهذا ما يجعل حوارًا مثل حوار الوقيان والغذامي أشبه بمختبرٍ فكريٍّ نادر في فضاء الإعلام العربي، حيث تتلاقى الثقافة والفكر والنقد تحت ضوء السؤال الفلسفي.

فحين تحضر الفلسفة في الإعلام، لا تأتي لتتعالى على الجمهور، بل لتدعوه إلى التفكير معها، إلى أن يُعيد النظر في المسلّمات، وأن يفهم أن التفكير ذاته فعل حضاريّ قبل أن يكون اختصاصًا أكاديميًا . 

وهنا يتجلّى جوهر الفلسفة في معناها الأصيل، فهي ليست درسًا في المنطق ولا تمرينًا ذهنيًا مغلقًا، بل هي حركة الوعي نحو ذاته، محاولة الإنسان أن يفهم كيف يفكر، ولماذا يفكر، وإلى أين تقوده أفكاره.

فحين يستيقظ العقل على أسئلته، يصبح أكثر اقترابًا من صوابه، لا لأنه امتلك الحقيقة، بل لأنه تدرّب على الإنصات إليها في داخله.

إن هذا الوعي هو ما يجعل الحوار الفلسفي ضرورة، لا ترفًا، لأنه يذكّرنا دائمًا بأن أعظم ما في الإنسان هو قدرته على أن يفكر بصدق، وأن يتأمل بعقلٍ حرٍّ يبحث عن المعنى في كل ما يراه ويسمعه .