الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ اكتوبر-٢٠٢٥       17490

بقلم - شفق السريّع

في كل مرةٍ يطل فيها بعض الساسة بخطابات متعالية أو تصريحاتٍ جوفاء، يكشفون من خلالها عن ضحالة فهمهم لثقافات الشعوب التي يظنون أنهم يعرفونها.

و ربما آخر تلك النماذج ما صدر عن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي أطلق تصريحاً مسيئاً بحق المملكة العربية السعودية، متعرضاً فيها لرمزٍ من أعرق رموزها الثقافية: الإبل..

ذلك التصريح لم يكن مجرد زلة لسان، بل كان تعبيراً فاضحاً عن جهلٍ بثقافات المنطقة، و استخفافٍ بتاريخٍ ممتد لآلاف السنين.

وما يثير الاستغراب أكثر، هو أن يعود الوزير نفسه ليعتذر بعد الضجة التي أثارها كلامه، في محاولةٍ لتدارك ما لا يمكن تداركه.

فالإساءة لا تُمحى باعتذارٍ بارد، خصوصاً حين تمس رموز الشعوب و موروثها العميق..

إن  الإبل  بالنسبة للسعوديين ليست مجرد كائنٍ صحراوي، بل هي رمزٌ للهوية و الكرامة، و عنوانٌ للصبر و الشموخ و الارتباط بالأرض و التاريخ.

ومن هذا الإرث العريق، انطلقت رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – حين أسس نادي الإبل، ليكون مؤسسةً وطنيةً رائدةً تُعنى بحماية هذا الموروث و صونه و تعزيزه، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تؤكد على الاعتزاز بالهوية الوطنية و استثمارها كقيمةٍ ثقافيةٍ و اقتصادية..

لقد تحوّلت مهرجانات  الإبل  اليوم إلى حدثٍ عالميٍّ يجمع بين التراث و السياحة و الاقتصاد، و استطاعت المملكة أن تجعل من هذا الموروث العريق منصةً للحوار الثقافي و التبادل الحضاري، في وقتٍ يعجز فيه آخرون حتى عن صياغة هويةٍ جامعةٍ لشعوبهم..

من يسخر من  الإبل  يسخر من تاريخ الجزيرة العربية كله، من الترحال و البطولة و الصبر، من قصص الإنسان مع الصحراء التي صاغت ملامح العروبة الأولى.

و  الإبل  ليست في ثقافتنا رمزاً للبدو فحسب، بل رمزٌ للثبات و العزيمة و الانتماء..

لذلك، فإن الاعتذار من سموتريتش لا يغيّر من حقيقة الأمر شيئاً؛ فالسعودية لا تنتظر اعتذاراً لتعرف قيمتها، و لا تحتاج تبريراً من أحد لتدرك أصالة إرثها.

هذه الأرض تعرف من تكون، و تعرف أن ثقافتها لا تُقاس بمعايير السياسيين، بل بتاريخٍ صاغ حضارةً و أرسى قيماً ستظل شاهدة على عراقة أمةٍ لا تعرف الانكسار..

و ليعلم الوزير و من على شاكلته أن  الإبل  ليست نكتةً و لا تفصيلاً تراثياً عابراً، بل هي رمزٌ لهوية وامتدادٌ لحضارةٍ ستبقى عصيّة على الجهل و الاستهانة..