الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ اكتوبر-٢٠٢٥       12980

بقلم - د . أحمد بن سعد بن غرم الغامدي 

العقل هبة عظيمة من الله تعالى، نعمة جليلة مكن بها الإنسان عن سائر المخلوقات، ليكون أداة للفهم والتدبر، ومنطلقًا للتكليف والمسؤولية، ووسيلة لتمييز الحق من الباطل، والهدى من الضلال.

ومن خلال العقل يستطيع الإنسان أن يعيش وفق القوانين  التي وضعها خالقه، ويصنع قراراته في ضوء المبادئ التي تتفق مع الفطرة والحقائق الطبيعية.

ولكن العقل، مع عظم مكانته وفضله، له حدود لا يمكنه تجاوزها.

فهو محدود بزمانه ومكانه، مقيد بحواسه وخبراته، محكوم بما يمكن إدراكه وما يتيحه الله له من فهم.

فلا يمكنه الاستقلال بمعرف الخالق واسمائه وصفاته ومراده ومحبوباته وأمره ونهيه وما غاب عنه والحكمة من خلقه والأحكام على أفعاله ومآله .

ومن هنا جاء الشرع الإلهي  موافقًا للعقل العاقل ، لا مناقضًا له، فهو من عند الحكيم الخبير، ومصدر للهداية والفهم العميق.

وما من حكم شرعي إلا وهو محكوم بالحكمة والمصلحة، وإن خفي بعضها على العقول، فإن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح، الذي صنع له التوازن الذي يضيء له طريق الحياة، ويوصل الإنسان إلى سعادة الدارين، إذا فهم حدودهما وعرف مواضع التسليم والطاعة.

فالشرع هو الحاكم، والعقل تابع له، وليس مستقلاً عن حكمه، لأن قوة العقل تكمن في معرفة أحكامه وفهم حكمه، والتسليم بما يحار فيه هو ذروة القوة لا ضعفًا.

ومن أعظم أسرار الكون أن جعل الله غيبيات لا يدرك العقل كنهها، كحقيقة الروح، وكيفية البعث، وصفات الله تعالى، وأحداث اليوم الآخر.

وهذه الغيبيات ليست من المحال الذي يحيله العقل، بل هي من الأمور التي يحار فيها، فلا يستطيع إدراك حقيقتها بالكامل، مع اعترافه بإمكانها ووجوب تصديقها.

فالعقل السليم يعترف بوجود ما وراء إدراكه، ويقر بأن وراء هذا العالم المادي عوالم غيبية لا يمكن الاستقلال بمعرفتها، وأن التسليم بها ضرورة للتوازن الفكري والروحي.

إن التسليم للشرع في هذه الأمور ليس إلغاء للعقل، بل هو تصحيح لمساره، وتكميل لنقصه.

فالعقل الذي يعرف حدوده، ويقف عند ما انتهى إليه علمه، ثم يسلم لما جاء من عند الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، هو  العقل العاقل  الرشيد ، والعقل العاجز عن التسليم في هذه الحالة هو العقل الضائع العاجز ، الذي يظن أنه يحقق فهماً كاملاً أو تجاوزًا للحقائق الإلهية، بينما في الواقع يغرق في الظلال والشكوك.

وأعظم العقول وأرقاها هي تلك التي تزداد يقينًا كلما تعمقت في المعرفة، فالعلماء الربانيون، الذين انكبوا على دراسة الكون والعقل والخلق، كلما ازدادوا معرفة ازدادوا يقينًا بعجز العقل البشري عن إدراك كنه الحقائق كلها، وبأن التسليم للشرع في الأمور الغيبية هو ذروة الحكمة وغاية المعرفة.

فالعقل العاقل الواعي يرى حدوده ويدرك أنه لا يمكنه تجاوز ما وضعه الله من أحكام، ولا الاطلاع الكامل على الأسرار الإلهية، فالتسليم هنا ليس ضعفًا بل قوة ومثالًا على نضج العقل وكماله.

أما العقل العاجز غير العاقل فهو الذي يضل في متاهات الشك، ويصر على إنكار ما لا يحيط به علمًا، ويظن أن رفض الغيب قد ارتقى به في سلم المعرفة، وهو في الحقيقة قد هبط إلى درك الجهل المركب.

فإنكار الغيب ليس شجاعة فكرية، بل هو غرور وجهل بمكانة العقل وحدوده، ويفقد صاحبه التمييز بين الممكن والمحال، وبين المحار وما يحيله العقل، فلا يرى الحقيقة إلا مشوشة ومشتتة.

وإذا تأملنا مراتب العقول بحسب الشرع الإلهي، نجد  العقل العاقل  الواعي المستسلم للشرع، الذي يعرف حدوده، يقف عند ما يصل إليه من فهم، ويسلم لما يحار فيه، ويستوعب ما يمكن إدراكه، ويعمل ضمن أحكام الشرع وفهم حكمه.

والعقل المتفكر الناقد يستخدم الاستدلال والتحليل في الأمور الممكنة للعقل، ويتفكر في خلق الله وفي السنن الكونية، لكنه يعترف بحدود فهمه أمام ما يحار فيه.

أما العقل العاجز عن التسليم، فهو الذي يرفض ما يفوق إدراكه، فيظل عاجزًا عن إدراك الحقائق الكبرى وفهم الغاية من وجوده.

وأخيرًا، العقل المتضارب أو الضائع، الذي يخلط بين ما يحار فيه وما يحيله، ويغرق في الشك والغرور، فلا يعرف الحق من الباطل، ويظل ضائعًا في تيه الفكر.

إن قوة  العقل العاقل  تكمن إذن في وعيه بحدوده، واعترافه بعجزه عن إدراك كل شيء، وفي التسليم للوحي الإلهي، الذي هو مصدر النور والهداية.

والعقل العاجز إذا أدرك هذا، يتحول إلى عقل رشيد قوي، قادر على التمييز بين الحق والباطل، واستيعاب الغيب بقدر ما يجب، وتحقيق النضج الفكري والروحي.

فكما أن العين لا ترى إلا بالنور، فكذلك العقل لا يهتدي إلا بنور الشرع والهداية الإلهية، والتسليم بما يحار فيه هو من أسمى درجات الفهم والحكمة، وغاية إدراك العقل وكماله.

والعقل العاجز حين يسلم لحكم الشرع ويعي حدود قدراته، يصبح قوة حقيقية، قادرة على فهم الحقائق الكبرى، واستيعاب الغيب، والتأمل في خلق الله، وتحقيق التوازن بين التفكير والتحليل، وبين الإيمان والتسليم.

وهكذا يتحقق اكتمال العقل، ويصبح العقل العاجز قوة، والعقل الواعي رشادًا، والنفس البشرية مزدانة باليقين والفهم السديد.

إن هذه الرؤية للعقل العاجز تبرز معنى التسليم الإيماني كقوة للعقل لا كضعف، وتوضح أن الحدود التي وضعها الله للعقل ليست قيودًا، بل هي حماية له من التوهان في المجهول، وسبيل لفهم الحقائق الكبرى، وإدراك المعنى الكامل للوجود والغاية من الحياة، حتى يصبح العقل أداة للفهم العميق والنضج الروحي الحقيقي.

وفي النهاية، لا بد لكل ذي عقل أن يدرك أن التسليم بما يحار فيه ليس ضعفًا، بل هو طريق القوة، وأن الالتزام بحكم الشرع هو السبيل الذي يجعل العقل عاقلاً يعمل في مساره الطبيعي، متبعًا نور الله، مدركًا حدود إدراكه، ومستسلمًا لحكمة الخالق في كل شيء.

فالعقل العاجز حين يدرك ذلك يصبح العقل القوي، والإنسان الراشد الذي ينير طريقه ويدرك مقصد وجوده وغاية الحياة، ويعيش حياة فكرية وروحية متكاملة.