بقلم - حذامي محجوب
مع اختتام فعاليات «إكسبو 2025 أوساكا» في اليابان، لا تنتهي دورة من دورات المعارض الدولية فحسب، بل يبدأ فصل جديد في التحولات العالمية. فحين تتجه أنظار العالم إلى الرياض، يتجدد الوعي بأن المملكة العربية السعودية لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل أصبحت فاعلًا حضاريًا قادرًا على صياغة رؤى مشتركة لمستقبل البشرية.
استضافة «إكسبو الرياض 2030» ليست حدثًا تقنيًا أو سياحيًا فحسب، بل إعلان رمزي عن موقع المملكة في خريطة القرن الحادي والعشرين. فمنذ أن فازت بحق التنظيم في نوفمبر 2023، لم تتعامل المملكة مع الأمر كفرصة للعرض، بل كمنصة لإعادة تعريف دورها في العالم — دور يرتكز على بناء المستقبل لا استهلاكه، وعلى المشاركة لا التبعية.
لقد شكّلت فعالية «من أوساكا إلى الرياض» أكثر من مجرد احتفال بنقل الراية؛ كانت لحظة وعي عالمي التقى فيها الشرق بالشرق، وتجلّت فيها فلسفة المملكة القائمة على التلاقي الحضاري والاحترام المتبادل. حضور الآلاف وتفاعلهم مع الفنون السعودية واليابانية لم يكن ترفًا ثقافيًا، بل تعبيرًا عن حاجة الإنسانية اليوم إلى جسور جديدة تُبنى بالفن، والتقنية، والإبداع المشترك.
أما وعد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأن تكون نسخة الرياض «استثنائية وغير مسبوقة»، فهو ترجمة لرؤية تتجاوز المهرجان إلى فكرة أعمق: أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان وتنتهي به. فالمعرض الذي يمتد على مساحة ستة ملايين متر مربع بخمس مناطق رئيسة، لن يكون استعراضًا تكنولوجيًا، بل مختبرًا مفتوحًا لتجريب حلول جديدة لقضايا البيئة والطاقة والمعرفة والتواصل الإنساني.
يتزامن هذا الحدث مع اكتمال مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، في تقاطع دلالي لا يمكن تجاهله: فكما تحوّلت المملكة خلال العقد الأخير إلى نموذج للإصلاح والتنمية والتمكين، فإن «إكسبو الرياض 2030» سيكون مرآةً عالمية لتلك التجربة، ورسالة تقول إن الرؤى التي وُلدت من أرض الجزيرة يمكن أن تُلهم العالم بأسره.
إنّ انتقال «إكسبو» من أوساكا إلى الرياض لا يمثّل انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل تحوّلًا في مركز الثقل الحضاري العالمي. من اليابان التي مثّلت نهضة ما بعد الحرب إلى المملكة التي ترسم ملامح نهضة ما بعد النفط، يمتد خيط من الإصرار الإنساني ذاته: أن التقدّم ليس حكرًا على أحد، بل مشروع مشترك يُكتب بأيدي المؤمنين بالمستقبل.
ولعلّ الرياض اليوم لا تستعد لاستضافة حدث عالمي فحسب، بل لتفتح صفحة جديدة في التاريخ الإنساني، تؤكد فيها أن من يمتلك الرؤية والإرادة، يستطيع أن يقود العالم نحو أفق أكثر إشراقًا، وأكثر عدلًا، وأكثر إنسانية.