بقلم - تركي عبدالرحمن البلادي
في زمنٍ تتسابق فيه الأصابع قبل العقول، لم تعد الخصوصية حقًا طبيعيًا كما كانت، بل ترفًا لا يستطيع الجميع امتلاكه. صارت حياتنا مشهدًا مفتوحًا أمام الآخرين، كل تفصيل يُوثّق، وكل لحظةٍ تُنشر، وكل خطأٍ يجد طريقه إلى الضوء قبل أن يجد صاحبه فرصة للاعتذار أو التصحيح. لقد تحوّلنا من أناسٍ نعيش في العالم إلى أشخاصٍ نُعرَض عليه.
وسائل التواصل لم تكتفِ بتغيير طريقة تواصلنا، بل أعادت تشكيل سلوكنا وأفكارنا. جعلتنا نعيش في دائرةٍ من المقارنة والمراقبة المستمرة، حيث يُقاس النجاح بعدد الإعجابات، وتُحدّد القيم من خلال عدد المتابعين. في هذا العالم الرقمي، أصبحت الصورة أهم من الحقيقة، والمظهر أقوى من الجوهر، حتى تحوّلت العلاقات إلى واجهات، والإنسان إلى “حساب” يواجه التقييم كل يوم.
كثيرون فقدوا خصوصيتهم دون أن يشعروا. يكتبون يومياتهم أمام ملايين الغرباء، ويكشفون ما كانوا في الماضي يخفونه حتى عن أقرب الناس إليهم. يُصور أحدهم لحظة حزنه، وآخر يبث وجعَه على الهواء، وثالث يفتح كاميرته ليُري الناس غرفة منزله قبل أن يراها أهله. لا يدرون أن التوثيق الدائم يُرهق الروح، وأن المراقبة المتبادلة تقتل العفوية وتُربك المشاعر.
ومن صور هذا الانكشاف أيضًا الاستعراض المفرط بالمال والممتلكات، حيث يحاول البعض تعويض نقصٍ داخلي أو فراغٍ نفسي عبر لفت الأنظار إلى ما يملكون لا إلى ما يكونون. تُعرض السيارات والساعات والمنازل كما تُعرض المشاعر، وكأن القيمة أصبحت فيما يُرى لا فيما يُحس. هذا الهوس بالظهور لا يعبّر عن غنى، بل عن حاجة عميقة للاعتراف، وعن صراعٍ بين الذات الحقيقية والذات الرقمية التي تُصمم بعناية لأجل الجمهور.
لقد نشأ جيلٌ لا يُخطئ إلا علنًا، ولا يعتذر إلا علنًا، لأن الجمهور صار حاضرًا في كل لحظة. الخطأ لم يعد شأنًا خاصًا، بل مادةً للتداول، تُعاد صياغته وتضخيمه ومشاركته حتى يفقد معناه. صارت الزلات تُصوَّر وتُحفَظ وتُعاد نشرها، بينما النية تختفي خلف التعليقات والرموز الساخرة. في هذا المناخ القاسي، لم يعد التعلم من الخطأ ممكنًا، لأن الزمن لا يمنحك فرصة “الستر” بعد السقوط.
الأخطر من ذلك أن هذا الانكشاف المستمر خلق خوفًا دائمًا من الصورة، من الكلمة، من اللحظة. صار الناس يعيشون بحذرٍ مبالغ فيه، يختارون كلماتهم لا لأنهم مؤمنون بها، بل لأنهم يخشون ردود الفعل. أصبحنا نُفكّر بعين الجمهور قبل أن نفكر بضميرنا، ونقيس الصواب بمدى القبول لا بالقيم. إنها عبودية من نوعٍ جديد، عبودية “النظرة” و”المتابعة” و”الترند”.
حين أصبحت الخصوصية رفاهية، خسر الإنسان جزءًا من إنسانيته. لم يعد له مساحته الآمنة التي يخطئ فيها ويُراجع نفسه، لم يعد هناك “غرفة صامتة” بينه وبين ذاته. حتى التفكير بصوتٍ عالٍ صار خطرًا. إن إعادة التوازن تبدأ من الوعي، من قرارٍ بسيط بأن نحفظ لأنفسنا جزءًا لا يُرى ولا يُوثّق، جزءًا يخصنا وحدنا. فكل ما نُظهره للعالم يفقد شيئًا من صدقه، وكل ما نخفيه نحمي به بقايا ذواتنا.
الخصوصية ليست رفاهية كما يظن البعض، إنها ضرورة للبقاء النفسي والعاطفي، هي المسافة التي تتيح للإنسان أن يكون نفسه دون تزييف. قد لا نعود إلى زمن الأسرار المغلقة، لكننا نستطيع على الأقل أن نتعلم كيف نغلق النافذة أحيانًا، قبل أن نُطفئ النور تمامًا.
معلومات عن الكاتب:
كاتب صحفي وباحث تربوي