الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ اكتوبر-٢٠٢٥       17270

بقلم - موضي عودة العمراني 

نحن نُعطي ونُعطي، وكأننا وُجدنا لنكون جسورًا يُعبر الآخرون فوقها، أو ظلالًا تُظلل غيرنا بينما نحترق نحن في صمت. 

نعطي الحب في العلاقات، نعطي الجهد في العمل، نعطي الصبر في الأزمات، نعطي الكلمة الطيبة حين نُحاصَر بالقسوة، ونعطي المسامحة حتى ونحن نُجلَد من جديد.

لكن في النهاية، حين نلتفت إلى الوراء، نجد أننا ما زلنا في نفس النقطة، لم نتحرك قيد أنملة، وكأن  العطاء  كان مجرد دوران في حلقة مفرغة.

العطاء قيمة إنسانية نبيلة، بل هو جوهر الإنسانية نفسها؛ فهو الذي يجعل القلب رقيقًا، والنفس سامية، والعالم أقل قسوة.

لكنه حين يتحول إلى عطاء أحادي الجانب، يصبح استنزافًا للروح بدل أن يكون بناءً لها.

نحن لسنا أنهارًا لا تنضب، ولسنا مخازن مفتوحة على الدوام.

نحن بشر، نحتاج إلى من يعطينا كما نعطيه، نحتاج إلى أن نشعر أننا نتقدم بقدر ما نبذل.

الوقوف في نفس المكان رغم  العطاء  يُشبه من يزرع في أرض صخرية؛ يسقيها يومًا بعد يوم، ويُهدر ماءه وجهده، وهو يعلم – في قرارة نفسه – أن الصخر لا يُنبت زرعًا.

ومع ذلك، يستمر لأنه اعتاد على العطاء، أو لأنه لا يعرف كيف يتوقف.

وهنا يكمن الخطر: أن يتحول  العطاء  من فضيلة إلى عادة عمياء، تُبقينا رهائن مكان لا ينمو، وعلاقة لا تزدهر، وحياة لا تتغير.

إن  العطاء  الحقيقي ليس أن نُهلك أنفسنا في سبيل الآخرين، بل أن نضع بذورنا في أرض خصبة تستحق، في قلوب تعرف معنى الامتنان، في مساحات تمنحنا بدورها ثمارًا تُعيد إلينا ما فقدناه من طاقة.

فالتوازن بين الأخذ والعطاء هو ما يجعل الرحلة إنسانية، أما اختلال هذا التوازن فيجعلنا سجناء دوامة لا تنتهي.

علينا أن نعيد النظر في طريقة عطائنا:
    هل نعطي حبًا لا يُقابله سوى الجفاء؟
هل نصرف جهدنا في عمل لا يُقدر؟
    هل نُهدر أعمارنا في انتظار تقديرٍ لن يأتي؟

إن التوقف ليس أنانية، بل أحيانًا حكمة.

والانسحاب من مساحات فارغة ليس ضعفًا، بل شجاعة.

فالحياة قصيرة جدًا لنُهدرها في  العطاء  الذي يُبقينا واقفين في نفس المكان.

العطاء الذي يُنبت حياة هو الذي يُضيء قلوبنا قبل قلوب الآخرين، ويُثمر خطوات للأمام، لا ذلك الذي يستهلكنا ويجعلنا أسرى مكان واحد، نُعطي ونُعطي، ثم نكتشف أننا لم نحصد شيئًا سوى التعب