الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ اكتوبر-٢٠٢٥       18975

بقلم - ناصر مضحي الحربي 

الإعلام، تلك المهنة التي ظلّت منذ فجر التاريخ مرآةً صادقة لما يعيشه الإنسان من تحوّلات، وحارسًا أمينًا لذاكرة الشعوب، ونافذةً مشرعةً على العالم. 

غير أنّ هذه المهنة التي ارتبطت يومًا بالحبر والورق، وصوت المذياع، وضوء الكاميرا، باتت اليوم على مفترق طرق بين التجديد الذي يفرضه عصر التقنية الرقمية، والتقليد الذي يشدّها إلى جذورها الأولى.

التقليد في الإعلام ليس عيبًا في ذاته؛ فهو الوعاء الذي يحفظ القيم والمبادئ والرسالة الجوهرية للمهنة.

فالصحافة الورقية التي كانت ولا تزال مدرسةً في الصياغة والدقة والالتزام بالمسؤولية الأخلاقية، غرست في أجيالٍ من الإعلاميين ثقافة التوثيق والتحقق، وعلّمتهم أنّ الكلمة مسؤولية قبل أن تكون خبراً أو سبقاً.

كما أن الإعلام التقليدي كان يضمن نوعًا من الموثوقية والهيبة، إذ لم يكن الصحفي يكتب إلا بعد مراجعة وتدقيق، ولم يكن المذيع يذيع إلا ما مرّ عبر قنوات التحرير والتحقق. وفي ذلك قوة تحفظ للمهنة بريقها، وللجمهور ثقته.

غير أنّ المشهد الإعلامي لم يعد كما كان؛ فالعصر الرقمي جاء بزلزال غير مسبوق. اليوم، يكتب الفرد من هاتفه ما يشاء وينشره في لحظة ليصل إلى آلاف وربما ملايين القرّاء. هنا يظهر التجديد في أبهى صوره: سرعة الانتشار، تنوّع المنصات، تداخل الفنون البصرية والسمعية، وانفتاح الإعلام على عوالم التفاعل المباشر مع الجمهور. 

الإعلام الجديد لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح فضاءً رحبًا للحوار، وتعدد الأصوات، وكسر احتكار السلطة المعلوماتية التي كان الإعلام التقليدي يستأثر بها.

لكنه في المقابل، جرّ معه تحديات عاصفة: فوضى الأخبار الكاذبة، انهيار معايير المهنة، وتراجع هيبة الصحفي المحترف أمام “الناشط” الذي يملك سرعة الانتشار ولا يملك أدوات التحقيق أو أخلاقيات النشر.

وبين التجديد والتقليد، يقف الإعلام المعاصر أمام معادلة دقيقة. لا يمكن للمهنة أن تتشبث فقط بالتقليد، وإلا عزلت نفسها عن جمهورها الجديد، ولا يمكنها أن تستسلم كلّياً لدوامة التجديد العشوائي، وإلا فقدت رسالتها التاريخية. 

المعادلة المثلى تكمن في التكامل: أن نحافظ على الجذور الأخلاقية والمهنية التي أرساها الإعلام التقليدي، ونمدّها بأجنحة التقنية والإبداع التي جاء بها التجديد.

إن مهنة الإعلام ليست ملكًا للأمس ولا أسيرةً للغد، بل هي رسالة إنسانية عابرة للزمن. فإذا كان الماضي قد أعطاها صرامةً وهيبة، فإن المستقبل يمنحها مرونةً وانتشارًا بلا حدود.

والواجب على الإعلاميين اليوم أن يدركوا أنّ التجديد ليس في كسر القيم، بل في إعادة صياغتها بوسائل عصرية، وأن التقليد ليس جمودًا، بل حفظٌ للثوابت وسط عواصف المتغيرات.

ويبقى الإعلام بين التجديد والتقليد كالسفينة بين الريح والمرساة؛ الريح تدفعها إلى آفاق جديدة، والمرساة تحفظ لها التوازن. وإنّ نجاح هذه المهنة مرهون بقدرة أهلها على الجمع بين أصالة المبدأ وحداثة الوسيلة، ليظل الإعلام صوت الحقيقة، وذاكرة الشعوب، وحارس القيم في عالمٍ يتغيّر كل لحظة.