النهار
بقلم - جيلان النهاري
بعد نصر المسلمين بالفتح الإسلامي في عهد الخلافة الراشدة، بدأت خطة الاستشراق الغربي بالتدفق إلى أرض الحكم العربي، مع عدم إغفال الحقد المجوسي الفارسي على الهوية العربية، ودورهم مع الاستشراق الغربي بدراسة الهوية العربية الإسلامية لأجل إضعافها وإسقاطها وإغوائها والتحكم فيها وفي مقدراتها.
نشط الفرس والغرب كثيرا في الزمنين اللذين حكمت فيهما الدولتان العربيتان: الدولة الأموية والدولة العباسية. ونجحت دراسات المستشرقين في فهم مكنون الشخصية العربية، واستطاعت هذه الدراسات غزو الهوية العربية. وتمكنت بالذات في التأثير الأدبي والفكري على العقلية والسلوك العربي المسلم.
هنا كانت العلة في التمكن من تغيير اتجاهات تلك الهوية الخاصة بالأمة كدولة عربية مسلمة ثابتة ومؤثرة في الفكر والسلوك، إلى متأثرة بمنتجات الغزو الاستشراقي من خلال أطروحاته وخططه المنتشرة والمتناولة في تغذية العقول، حيث طالت اللغة والدين والأدب.
فأصبحت تتحكم بالعقلية العربية والمسلمة المتلقية لهذه المناهل، حتى استطاعوا إضعاف قوة الهوية العربية الإسلامية، وقدرتهم على تشتيت هذه الأمة وتفريقها، بأن أوجدوا لها سبلا عدة واتجاهات متنوعة بنعتها مذاهب وطوائف وطرقا دينية وفكرية.
حتى وصلت الأمة العربية والإسلامية إلى هجر استمرارية تدبر القرآن الكريم وفهمه، وهو الذي تعهد الله بحفظه. بل إن بعضهم جعل من كتب رجال التفسير القديمة في ذاك الزمان حكما ومعنى نافذا على الحقب المسلمة التالية، فلا يمكن أو يحق لأحد أن يتدبره مستقبلا.
بل إن الأمر وصل إلى تحجير العقول على نقش واحد لا يمكن تغييره، فكان ذلك تجميدا لمعجزته جل جلاله الإلهية التي تؤكد صلاح القرآن لكل زمان ومكان.
كما أنه تم دمج سنن النبي الصحيحة مع موضوعات استطاع المستشرقون صياغتها وإضافتها كنصوص باسم الحديث الصحيح لا يقرها عقل مسلم فاحص متدبر عاقل.
بل أصبح السائد هو الانجراف وراء أقوال من يمكن أن يطلق عليهم حكماء من البشر وفلاسفة متنوعة معتقداتهم في زمانهم. ونجد أن هؤلاء الحكماء والفلاسفة حينًا يقولون درر الكلام، وحينًا يعيشون رغباتهم وشهواتهم، وربما بعضهم يعيشون الأنا.
فهم بشر لا عصمة تمجدهم سوى رغبات الأتباع المستفيدين من ورائهم. فأصبحت الفكرة متسلسلة عبر كل عصر في إنتاج شخصيات تبجل بالعصمة التي تفوق كمال القرآن وسلامة السنة الصحيحة. فكانت النتيجة ما نحن فيه اليوم.
الخلاصة
إن أردت هدم أمة، فابدأ بما تؤمن به قلوبهم، فشككهم في ثوابت دينهم، واجعل ما تمليه عليهم من سلوك وفكر جديد هو ثابت الدين.
معلومة
ما كان قديمًا سيكون حديثًا من فكر استشراقي تجاه ثوابت الدين، الذي مازال يعمل على تشكيل هويتنا العربية المسلمة. فيستمرون في تغييره حتى يصل بنا الأمر أن يكون بيننا قلة قابضة على الجمر، لأنها قابضة على دينها نقيًا كما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته التي بين دفتي القرآن الكريم، وسنة الله في سلوكه صلى الله عليه وسلم التي نُقلت لنا بالتواتر.
خاتمة
مازال الغرب وأدواتهم (الاستشراق) نشطين في التزوير والتأثير الفكري الديني والأدبي عبر الميديا، وبأدوات عربية ومسلمة مغسولة الأدمغة غير محصنة المبادئ.
يحملون في طياتهم فرقتين
يمين متطرف في توجهاته الدينية إلى حد التفسيق والتكفير للغير، ويسار متطرف متفسخ في توجهاته إلى حد الانحلال.
رسالة لكل مواطن
نحن اليوم وبقيادة حكيمة رشيدة، وبتوفيق الله وكرمه تعالى علينا، نتسنم مسؤولية حمل راية الدين الصحيحة في اعتدال المبادئ والأخلاق العربية المسلمة.
مما يلزم علينا أن نعي أن الاعتدال مسؤولية وطنية فردية واجتماعية، يجب أن تكون صفة ثابتة في المجتمع العربي السعودي، ويتحلى بها كل فرد ومواطن سويّ السلوك.
لأن بذلك تتحقق الحماية الكاملة للدين وأصوله تحت راية القيادة الرشيدة العادلة، بالولاء والطاعة لهم، فكل ذلك سيسهم في استقرار الوطن واستمرارية تقدمه ورفعة شأنه.