النهار
بقلم د. أماني عبدالوهاب
في واقعة غير مسبوقة هزّت الأوساط القانونية في الولايات المتحدة، صدر حكم قضائي ضد محاميين استخدما الذكاء الاصطناعي في إعداد مذكرة دفاع، ليتضح أن الاستشهادات التي قدماها “وهمية” بالكامل، من نسج خيال الخوارزمية لا من واقع السوابق القضائية.
لم تتهاون المحكمة، فأوقعت عليهما غرامات مالية وقيودًا تأديبية، مؤكدة أن العدالة لا تعترف إلا بما هو حقيقي، وأن المحامي يظل مسؤولًا عن أدواته مهما بلغت من ذكاء.
هذه الحادثة لم تكن مجرد خطأ مهني، بل جرس إنذار عالمي بأن الخوارزميات قد تُنتج حججًا تبدو مقنعة لكنها زائفة، بما يكفي لتضليل القاضي وتقويض بنيان العدالة.
ومن هنا يبرز السؤال: إذا كان هذا قد وقع في نظام قضائي راسخ كالولايات المتحدة، فهل لدى المملكة العربية السعودية، وبقية الأنظمة العربية، خطة وقائية تحول دون تكرار مثل هذه المفارقات في بيئاتها العدلية؟
النظام القضائي السعودي والعربي عمومًا يشهد نقلة نوعية في مسار التحول الرقمي والاعتماد على التقنية، ما يجعل التساؤل أكثر إلحاحًا: هل نحن مستعدون لليوم الذي قد تُقدَّم فيه استشهادات مزيفة ناتجة عن اعتماد غير مدروس على أدوات الذكاء الاصطناعي؟ المعروف أن نظام المحاماة في السعودية يفرض التزامًا صارمًا على المحامي بتحري الدقة والالتزام بأمانة المهنة، لكن الواقع الجديد يتطلب تطوير مدونات مهنية تُعيد تعريف “الأمانة” في العصر الرقمي، بحيث تشمل التحقق من كل ما تنتجه الخوارزميات قبل تقديمه للمحكمة.
تكمن الخطورة في ثلاثة محاور رئيسية:
أولها الاستشهادات القضائية المزيفة، فهي ليست مجرد أخطاء شكلية، بل تهديد مباشر لجوهر العدالة
ثانيها المسؤولية المهنية، إذ إن الذريعة التقنية لا تعفي المحامي من التزاماته، فالمحامي ليس ناقلًا أعمى لما تنتجه الخوارزمية، بل مسؤول مهني ملزم بالتدقيق والتحقق.
أما المحور الثالث فهو ثقة القضاء، فأي اهتزاز في مصداقية المذكرات المقدمة أمام المحكمة ينعكس سلبًا على الثقة في المهنة والعدالة معًا.
ومن هنا يمكن للمنظومة العدلية السعودية أن تستفيد من التجربة الأمريكية عبر جملة من التدابير الوقائية، منها: النص صراحة على إلزام المحامي بالإفصاح عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتدريب المحامين على آليات التحقق الرقمي من صحة الاستشهادات، وعدم الاكتفاء بمخرجات الخوارزميات.
كذلك يجب تشديد المساءلة التأديبية إذا ثبت أن محاميًا قدّم بيانات غير صحيحة بحجة الاعتماد على التقنية، مع إنشاء منصات قضائية وطنية تعتمد الذكاء الاصطناعي الموثوق به ليكون المرجع الأساسي للممارسات العدلية، كما أن إلزام الشركات المطوِّرة للأدوات التقنية بإيضاح حدودها ومخاطرها يعد عنصرًا مهمًا في تقليل احتمالية التضليل.
وفي المحصلة، يبقى الذكاء الاصطناعي حاضرًا في قاعات المحاكم، لكن الخطر الحقيقي ليس في وجوده بل في غياب الوعي والضوابط عند استخدامه. وإذا كانت الولايات المتحدة قد واجهت المشكلة بعد وقوعها، فإن السعودية تملك فرصة ذهبية لتكون رائدة في صياغة إطار وقائي يحصّن المهنة من الانزلاق ويجعل من التقنية خادمًا للعدالة لا خصمًا لها، ولعل القاعدة التي ينبغي أن تُكرَّس في فقه المهنة هي: "المحامي الذي لا يتحقق من استشهاداته، ليس ضحية لخداع الخوارزمية، بل شريك في تضليل العدالة".