النهار
بقلم: حمد حسن التميمي
فتحت هاتفك هذا الصباح فوجدت إعلاناً مثالياً لتلك السيارة التي كنت تفكر في شرائها منذ أسبوع. صدفة؟ مستحيل. إنستغرام يعرض عليك بالضبط نوع الملابس التي تحبها، فيسبوك يقترح أصدقاء التقيت بهم مرة واحدة فقط، غوغل يعرف أين كنت أمس قبل أن تتذكر أنت ذلك. هذا ليس ذكاءً اصطناعياً عادياً، بل نظام مراقبة شامل يعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك. والأسوأ من ذلك، أنك لست المستخدم في هذه اللعبة، بل أنت المنتج الذي يُباع.
لم تعد شركات التكنولوجيا العملاقة تبني إمبراطورياتها على بيع منتجات، بل على بيعك أنت. كل نقرة، كل بحث، كل صورة تشاركها، كل مكان تزوره، حتى كل توقف تتوقفه أثناء قراءة هذا النص، كل شيء يتحول إلى نقاط بيانات ثمينة تُجمع وتُحلل وتُباع لأعلى مزايد. إنهم لا يخبرونك بهذا صراحة، بل يلفون الأمر بعبارات براقة مثل "تحسين تجربة المستخدم" و"خدمات مخصصة".
الحقيقة المرعبة أن هذه الشركات تعرف متى تكون سعيداً، متى تشعر بالوحدة، متى تمر بأزمة مالية، متى تفكر في تغيير وظيفتك، حتى متى تكون على وشك إنهاء علاقة عاطفية. يفعلون ذلك من خلال تتبع أنماط سلوكك الرقمي: كم من الوقت تقضي في تصفح تطبيق المواعدة، ما نوع المحتوى الذي تتفاعل معه عندما تكون مكتئباً، كيف تتغير عاداتك الشرائية عندما تواجه ضغوطاً نفسية.
هذا النظام يعمل على ثلاثة مستويات خطيرة. أولاً، جمع البيانات من كل مصدر ممكن: هاتفك، حاسوبك، ساعتك الذكية، حتى سيارتك إذا كانت متصلة بالإنترنت. ثانياً، تحليل هذه البيانات باستخدام خوارزميات معقدة لبناء صورة نفسية مفصلة عنك. ثالثاً، استخدام هذه المعرفة للتأثير على قراراتك وسلوكك دون أن تشعر.
الأدهى أنهم يخبرونك بأن هذا لمصلحتك. "نريد أن نعرض لك إعلانات أكثر صلة بك"، "نريد أن نحمي أطفالك من المحتوى الضار"، "نريد أن نجعل تجربتك أفضل". لكن الحقيقة أنهم يريدون السيطرة على عقلك وتوجيه اختياراتك لتحقيق أرباحهم. كل خوارزمية مصممة لتبقيك أطول فترة ممكنة أمام الشاشة، كل إشعار مصمم ليقاطع تفكيرك ويشتت انتباهك، كل اقتراح مصمم ليجعلك تستهلك أكثر.
الثمن الذي ندفعه ليس مجرد خسارة للخصوصية، بل خسارة لحريتنا في التفكير والاختيار. عندما تعرف شركة كل شيء عنك، تصبح قادرة على التنبؤ بسلوكك والتأثير عليه. تصبح أسير خوارزميات لا تراها، تتحكم فيما تراه وما تقرؤه وحتى من تقابله. إنها عبودية حديثة، لكن بدلاً من الأغلال الحديدية، يستخدمون أغلال الراحة والإدمان الرقمي.
ثمة طرق للتحرر من هذا النظام، لكنها تتطلب وعياً وتضحيات. ابدأ بقراءة شروط الخدمة والخصوصية لكل تطبيق تستخدمه، وإن كانت مملة ومعقدة عمداً. أغلق ميزات التتبع في هاتفك، استخدم محركات بحث لا تتتبعك، فكر مرتين قبل مشاركة أي معلومة شخصية. الأهم من ذلك، اسأل نفسك باستمرار: هل هذا التطبيق يخدمني أم أنني أخدمه؟
وبينما نسير نحو مستقبل مليء بالذكاء الاصطناعي والمنازل الذكية والمدن الذكية، ستصبح عملية جمع البيانات أكثر تطوراً وخفاء. ستراقبك كاميرات الشوارع وتحلل تعبيرات وجهك، ستتتبعك أجهزة الاستشعار في كل مكان تدخله، ستعرف الحكومات والشركات كل شيء عنك في الوقت الفعلي. عالم حيث الخصوصية ستصبح كلمة من الماضي، والحرية الشخصية مجرد ذكرى تاريخية.
السؤال الذي يجب أن يؤرق كل واحد منا: هل نحن مستعدون لأن نصبح مجرد بيانات في خوادم شركات لا تهتم بإنسانيتنا؟ أم أن الوقت لم يفت بعد لنسترد حقنا في أن نكون بشراً لا أرقاماً، أشخاصاً لا منتجات، أحراراً لا عبيداً رقميين؟