بقلم: الصادق جادالمولى
تخيل نفسك في صباح هادئ تُطل على شوارع الرياض من مقهى عتيق، أمامك كوب من القهوة الداكنة، وجريدة ورقية تُرافقك بصفحاتها الرصينة، التي تُعبق برائحة الحبر الطازج، تداعب أصابعك بينما تقلب الأوراق، هذا المشهد الذي يبدو لنا كتجسيد للهدوء والفخامة، أصبح اليوم نوعاً من الحنين الذي يعانده الزمن، وكأن الصحافة الورقية باتت تلك اللوحة التي ترفض أن تُرفع من جدار الزمن رغم كل متغيرات التقنية.
نحن نعيش اليوم في زمن السرعة الفائقة، حيث يكفي أن تفتح هاتفك لتجد العالم كله بين أصابعك، ويقال إن الصحافة الورقية الآن كصديق قديم يتأمل من بعيد شباب الإنترنت وهم يقودون عجلة الإعلام بلمح البصر، بينما هو ما زال يتكئ على ذكرياته، وكعادتها الإحصائيات في الجفاء فأنها لا تكذب أو تتجمل فهي تشير إلى أن توزيع الصحف الورقية تراجع بنسبة 25% خلال العقد الأخير، فحتى أولئك الذين كانوا بالأمس يتحدثون عن «طعم الورق» باتوا اليوم يبحثون داخل موقع الصحيفة بدلاً من الصحف في المولات وكبرى البقالات!
أما على صعيد الإعلانات فحدّث ولا حرج كانت الصحف الورقية كالأميرة في زمنها تنهل إيرادات الإعلانات بجلال إذ حققت 49 مليار دولار عام 2005، لكن كما يقول المثل « دوام الحال من المحال» فما لبثت أن تقلّصت هذه الإيرادات حتى بلغت أقل من 14 مليار دولار في 2020، وكأن عجلة الزمن عادت لتثأر من الصحف وتقول لها: « تذكري: التقنية لا ترحم» هذا الانحدار لم يأتِ من فراغ؛ فبخطى واثقة بدأت الصحافة الإلكترونية تستحوذ على الساحة، محققةً نمواً في عائدات الإعلانات الرقمية بمعدل سنوي يقارب 15%، وتحول المعلنون نحو الإنترنت، حيث الجماهير تتدفق بأعدادها الغفيرة على كل جديد، وعيونهم تترقب وقلوبهم تتفاعل.
ولا ننسى السرعة وهنا يكمن الفارق الجوهري؛ فمهما حاولت الصحافة الورقية لا تستطيع مجاراة سرعة منافستها الرقمية، فالصحيفة الورقية أشبه بالسيدة الوقورة التي تتهيأ وتختار كلماتها بعناية قبل أن تتحدث، بينما الصحافة الإلكترونية تتسم بعجلة الشباب، فهي جاهزة لنقل الخبر خلال دقائق، وكأنها سباق دائم على استقطاب الأنظار، وبينما يضطر القارئ للانتظار حتى تصدر الصحيفة صباحًا، تكون الصحافة الإلكترونية قد غطّت الحدث من كل زواياه في الوقت الذي انتهى فيه قارئ الصحيفة الورقية من إعداد قهوته.
أما التفاعل المباشر فهو عالم آخر من الاختلاف؛ إذ بات الإنترنت ساحةً يلتقي فيها القراء للتعبير عن آرائهم فورًا، حيث قد تجد تعليقًا على مقال ما يعادل في تأثيره المقال نفسه، بينما تفتقر الصحف الورقية لهذا المدى من التفاعل إنها أشبه بمحادثة فردية تخصك وحدك، وتمنحك لحظة من التأمل والهدوء، بعيدًا عن ضوضاء الجدل الإلكتروني.
ولكن مهما بدا المستقبل وكأنه يحكم على الصحافة الورقية بالخروج من المشهد، تظل هذه الصحافة حافظةً لروح الأصالة والتاريخ، تمثل زينة الرفوف والمكتبات، ورفيقة أولئك الذين يبحثون عن لحظة تفكّر، عن متنفس بعيد عن صخب العالم الرقمي، فالصحيفة الورقية ليست مجرد وسيلة إخبارية؛ إنها رحلة بحد ذاتها، تكتسب قيمة عميقة مع كل صفحة تُقلب، وبينما ينهمك الجميع في أضواء الشاشة يبقى قارئ الجريدة الورقية كما هو، يجلس على كرسيه بهدوء، يتصفح أوراقه بشغف، وكأنه يحتفي بتراث يحاول العالم أن يطويه، لكنه لا يزال متمسكًا بوجوده، لأنه يعرف أن للورق حكايته الخاصة، التي لا يستطيع الزمن أن يمحوها.