جمعان الكرت
بقلم: جمعان الكرت
حين تصدح الطبول ويتمايل الصفّ على وقع الجنابي والسيوف وتتعانق الأهازيج مع إيقاع الزير، تدرك أنك أمام لوحة فنية من إرث الأجداد إنها العرضة السعودية نبض الأرض وروح الوطن وراية مجد مرفوعة في الساحات منذ أزمنة قديمة.
ولما تمثّله العرضة من قيمة تراثية راسخة وهوية وطنية أصيلة أدرجتها المملكة العربية السعودية في قائمة التراث الثقافي الشفوي العالمي، وأنشأت المركز الوطني للعرضة السعودية، لتكون محل اهتمام ورعاية من قادة وطننا الغالي.
العرضة موروث ثقافي تتنوع أشكاله بحسب طبيعة كل منطقة، فنجد العرضة النجدية، والسامري، والمجرور، والمزمار، والعرضة الجنوبية، والخطوة، والمسحباني، واللعب، والدحة، ولكل نوع منها طابعه الخاص من حيث الأسلوب، والملابس، ونوع السلاح، وطريقة الحركة، والمكان، والإيقاع، واللحن، وقد أثرت البيئة الجغرافية، والعادات، والتقاليد في تشكيل هذه الأنماط حتى استقرت على الصورة المبهجة التي نراها اليوم ونطرب لها.
العرضة حاضرة في الأفراح والأعياد والمناسبات الوطنية، وهي رمز ثقافي عريق يلهب العواطف، ويثير الوجدان، ويهز الأبدان، ويخلق حالة من البهاء والانبهار، ولنجاح العرضة لا بد من توافر مكوناتها الرئيسة: الشاعر، والزير، والملابس، واللحن، وأدوات العرضة من سيوف وجنابي، إذ إن فقدان أي عنصر منها يضعف رونقها.
وفي منطقة الباحة، تزداد أهمية العرضة في مناسبات الأفراح على مستوى الأفراد والمجتمع المحلي والوطن عامة، فصوت الزير حين يملأ الأجواء يكون إيذانًا بحضور عشاق العرضة، سواء من المشاركين أو المتفرجين، وهنا يبرز دور الشاعر في إشعال الحماس بقصائده ذات الإيقاع الحماسي، والتي كثيرًا ما تتسم بأسلوب بلاغي يسمى “الشَّقر”، وهو نوع من الجناس يقوم على توافق اللفظ واختلاف المعنى.
وقد عرفت الساحة الشعرية في العرضة أسماء بارزة في الماضي مثل: عبدالله الزرقوي، بن ثامرة، جماح، الزبير، جريبيع، الغبيشي، المالحي، الأعمى، بن مصلح، خرصان، الغويد وغيرهم ، وصولًا إلى شعراء الحاضر، ولكل منهم أسلوبه ونهجه ومفرداته.
العرضة إذن، تراث غير مادي، تطرب له النفوس، وتهتز له الأبدان، وهوية وطنية متجذرة في الشرايين. وتعزيز هذه الهوية يتم عبر جانبين:المحاكاة: حيث يتقمص الطفل أسلوب والده في الأداء بعد مشاهدته له، والتدريب المنهجي: من خلال ورش عمل يقودها متمرسون قادرون على تبسيط شرح أداء العرضة بأسلوب شيق.
إن العرضة تحمل في مضمونها معاني الشجاعة، والشهامة، واحترام الموروث، وهي انتماء يُعاش، وتُوظَّف اليوم أيضًا كأداة فعالة للترويج السياحي.
نقول العرضة ليست مجرد رقصة شعبية أو إيقاع تراثي، بل هي سيرة وطن تُروى بالسيوف، وتُعزف على أوتار الطبول، وتُحفر في ذاكرة الأجيال، إنها وعدٌ بأن يبقى الماضي حاضرًا في نبض الحاضر، وجسرًا يربط بين أمجاد الأمس وطموحات الغد.