النهار
بقلم: أ. عجاب الحنتوشي
في خضمّ زحام العلاقات وتنوّع وسائل الاتصال وتداخل الأدوار الاجتماعية والمهنية، تبرز “الرسمية” كقيمة مهمة، بل كضرورة تحفظ للناس مقاماتهم، وتُبقي على المسافة الآمنة التي تضمن استمرار الاحترام.
الرسمية ليست حاجزًا باردًا أو تكلّفًا اجتماعيًا، بل هي فن إدارة التواصل بوعي واحترام، عندما نُخاطب من هو أعلى مقامًا أو أرفع مسؤولية، فإن انتقاء العبارات ومراعاة الألقاب لا يعكس فقط أخلاقنا، بل يُجسد إدراكنا لطبيعة العلاقة.
وقد أثبت الواقع – مرارًا – أن العلاقات التي يغيب عنها الإطار الرسمي تفقد توازنها بسهولة، فعندما تتجاوز العفوية حدودها، يتحول الاحترام إلى مجاملة، ويضيع الفرق بين المزاح والتقليل، وبين القرب المشروع والتجاوز المرفوض.
في بيئة العمل على وجه الخصوص، تلعب الرسمية دورًا محوريًا في ترسيخ المهنية، وضبط العلاقات، ومنع التداخلات الشخصية التي قد تؤثر على سير الأداء أو تؤدي إلى خلق بيئة مشوّشة، فليس كل تواصل يجب أن يكون شخصيًا، وليس كل علاقة قابلة للتحوّل إلى صداقة. فبعض المسافات تحفظ المكانة، وتقي من التباس الأدوار.
الأمر لا يقتصر على المؤسسات فحسب، بل يشمل الحياة الاجتماعية بكل مستوياتها، إذ إن الرسميات – في بعض المواقف – هي التي تحفظ العلاقات من التصادم، وتجعل الخلاف محترمًا، والتفاهم ممكنًا، حتى في ظل اختلافات الرؤى والمواقف.
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين الرسمية والدفء الإنساني. فالرسمية لا تعني الجفاء، كما أن البساطة لا تبرر التسيّب، وبين الطرفين، يقف الإنسان الواعي الذي يدير تواصله بلغة تحترم الآخر وتحمي نفسه.
ختامًا، فإن احترام المسافات، ومراعاة الألقاب، واختيار مفرداتنا بعناية، ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل هي ركائز تعكس النضج الاجتماعي، وتحافظ على الهيبة، وتصون المقامات.