الكاتب : اللواء ركن م -حسين محمد معلوي
التاريخ: ٢٠ يوليو-٢٠٢٣       27390

 الحملة ضد المخدرات 
في يوم الثلاثاء ( ١٨ يوليو ٢٠٣٠ م الموافق ٣٠ ذو الحجه ١٤٤٤هـ )  تواصلت معي قناة الإخباريه السعوديه لعمل مداخله على نشرة النهار في الساعه الرابعة عصراً اثناء وجودي في بريطانيا ، بشأن المخدرات فتحمست شاكراً للقناه لأهمية الموضوع ، ولأن الوقت المعطى لتلك المداخله لم يكن كافياً لتغطية الموضوع ذو الأهمية الكبيره فقد قررت أن اكتب هذا المقال لأغطي بعض الجوانب المهمه .. فأقول مستعيناً بالله بأن المخدرات لم تكن معروفة في بلادنا قبل ستين عاماً الا ان سائقي شاحنات المورسيدس التي يسمونها أنذاك  " المور " كانو يستخدمون حبوب تطرد النوم اثناء سفرياتهم في ذلك الوقت بين المدن السعوديه وبلاد الشام  والكويت والعراق ، و يُعتقد ان اسم تلك الحبوب الكونقو. كذلك كان يستخدمها بعض الطلاب عند الإختبارات حتى لا ينامون ….. ولم يكن احد يعرف بأنها ربما تكون نوع من انواع المخدرات في ذلك الزمن ، ومن الطريف إن هناك شراب كان يباع في الدكاكين ( البقالات ) يعطى للأطفال ليهدئ الألم المسبب لبكائهم بالنوم اذا شربوه ويسمى ..  ( موية غريب ) وهم  يعتبرونه مسكن وعلاج ولا يعلمون ان فيه نسبة من الكحول تخدر الأطفال من الألم ، وقد تم منعه لاحقاً بعدما عُرف وحُدد تصنيفه . إن ذلك يدل على أن مجتمعنا والمجتمعات الخليجية والعربية كانت مجتمعات بسيطه تنقصها الثقافة الصحيه ويسودها الجهل بالمخدرات .. أما الدخان فكان المجتمع السعودي يحتقر من يدخن ولا يزوجونه من بناتهم لأنه يشرب التنباك كما يقولون و من وقع في شربه فلا يستطيع أن يدخن جهراً بل سراً تحت غطاء الكتمان والا سيكون منبوذاً من اسرته ومن المجتمع ، بينما طلبة العلم  يحرمون شرب الدخان لأنه كما يقولون المدخل لكل شر ، ولكن المدخنين في تلك الأيام ادمنوا على التدخين وبقي ذلك من اسرارهم ، اما اليوم فإن السيجاره التي كانت محشوُة بالتبغ صارت تعبأ بالحشيش والماروانا وغيرها وتقدم في بعض البلدان كجزء من الضيافة والكرم في المناسبات العامه والخاصه وهذا يذكرنا بموقف رجال الدين الذين وصفوه بأنه باب لكل شر . إن من المهم الاشارة الى أن الحكومة السعوديه لم تغفل جانب الخمور والمخدرات منذو البدايات فقامت بتشريع الأنظمة والقوانين الصارمه ضد من يتعاطى هذه السموم منذو اكثر من ستين عاماً وكانت المحاكم الشرعيه تتعامل مباشرة مع هذه القضايا التي ترد اليها من الشرطة و هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تم إنشاء ما يعرف بإدارة مكافحة المخدرات في ( 4 /  1 / 1973 م ) وهذا دليل على اهتمام الحكومة السعوديه  بمكافحة المخدرات معتمدة على الله ثم على موقف الشريعة الاسلاميه ثم على موقف الشعب السعودي الذي يرفض كل المفاسد والإفساد ما ظهر منها وما بطن .
عندما بلغ السيل الزبى وانتشرت ظاهرة المخدرات وزاد عدد الضحايا من ابناء الشعب السعودي وكثرت معاول الهدم من المروجين في الداخل والممولين من الخارج، استل الأمير محمد بن سلمان سيفه للدفاع عن ابناء شعبه فوجه بتشريع نظام واجراءآت صارمه ضد كل مستخدم ( متعاطي ) ومروج وممول ومتماهي و متستر باعتبارهم جميعاً يستحقون المساءلة القانونيه لكونهم مشاركين في نتائح هذه الظاهرة الخطيره على المجتمع السعودي . وقد انبثق عن هذه الرؤيه الجديده أن أَمَر سمو  ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بإطلاق الحملة الوطنيه لمكافحة المخدرات وتستهدف كل المواطنين والمقيمين وخاصة فئة المراهقين التي بين عمر (14) عاماً و (25 ) عاماً وهي الفئة الأكثر تعاطيا للمخدرات وفقاً للتقارير الأمنيه وبحسب ما قاله المتخصص في العلوم الجنائية والأمنية أحمد الناقي في مقابلة تلفزيونية أعاد نشرها على حسابه . السعوديه اطلقت هذه الحمله لدرء وابعاد المخاطر عن شعبها لإحباط مخططات اعدائها السياسية والاقتصادية والعسكرية و الإجتماعيه و التي تستهدف المملكه بسبب مواقفها الصلبه في الدفاع عن حقوقها وعن القضايا العربية والاسلاميه وممارستها لسيادتها في اتخاذ قراراتها المستقله في جميع الشئون دون تدخل من احد أو ضغوط بل انها اعادت دراسة توازن علاقاتها الاستراتيجيه مع الدول وفقاً لمصالحها الوطنيه ، ولأن المستعمرين أو المسيطرين من الدول الكبرى والإقليمية ووكلائهم ادركوا بأن زمن استخدام النفوذ أو القوة العسكرية للسيطرة وفرض الاراده على الدول والشعوب قد ولَّى وانتهى بسبب المخاطر والهزائم العسكريه الكبيره التي لحقت بهم في الماضي وردود أفعال المجتمع الدولي الرافض للتدخلات وانتهاك سيادات الدول ، ولهذه الأسباب لجأت دول و منظمات وعملاء معاديين الى استخدام وسائل وطرق اخرى عديده ضد دول اخرى لتدمير المعارضين من الدول لإرادتها ومنها تدمير شباب هذه الدولة او تلك بالمخدرات التي تنتشر بين الجيل في اي بلد كالنار في الهشيم ، مع ابتكار انواع من المخدرات تجبر الإنسان على الإدمان الفوري مثل ما عرف بمادة " الشبو أو الكريستال"  التي تتلف الجهاز العصبي وتشل حركة الانسان العقلية والبدنيه .. وقد رأى المجتمع العربي عينات الضحايا وهم شباب وشابات في عمر الزهور وهم صرعى في الاسواق والشوارع من الألم وفقدان السيطرة على عقولهم واجسامهم بشكل لا يمكن وصفه . أما اسباب انتشار المخدرات فهي كثيرة جداً ومنها خطط الدوائر الأجنبيه سواء كانت دول أو  اجهزة استخبارات أو  منظمات واحزاب عميله أو  عملاء محترفون ومن أسباب انتشار هذه الآفه ضعف الوازع الديني عند الشباب والبطالة في كثير من الدول التي تجعلهم يتسكعون في الشوارع دون عمل ، إضافة الى المشاكل الخاصه التي تعترض اي فرد او اسره أو مجتمع لتجعل الحالة النفسية للإنسان سيئه تتحول الى امراض نفسيه بسبب الحرمان واليأس والقنوط فيهرب المريض منها باستخدام المسكرات والمخدرات بأنواعها لأنه فقد آماله وطموحاته ،كذلك فإن من الأسباب لانتشار المخدرات الحروب في المنطقة العربيه وآثارها مثل فقدان الأمن والتشرد وهذه الظروف مرتع لمافيا المخدرات وعصابات الإجرام ، يضاف الى اهم الأسباب الغزو الفكري والإعلامي المُرَكَّز الذي نراه على شاشات المحطات الفضائيه والمدعوم من الدول الغربيه والمساند من العلمانيين والمتطرفين الليبراليين ولا ننسى دور التكفيريين الذين طيَّرُوا ونفَّرُوا الناس من دينهم بسبب تشددهم ، ولا شك بأن من عوامل نشر المخدرات  الدور الاسرائيلي وحزب الله وميليشياته المختلفه المدعوم من ايران للإيقاع بالشعوب العربية  تمهيداً للقضاء عليها للسيطرة على ارضها وخيراتها . لقد كان من نتائج كل ذلك ابتعاد كثير من الشباب عن الدين والمبادئ والقيم والعادات الإيجابية فكان المردود سقوط دروع  الأمان الواقيه للشعوب من الأخطار فوقعت محاذير الهلاك لأنها سارت في صحاري التيه والضياع ، وعندها دخلت الثقافة الغربيه فضاع الجيل في بلاد العرب وانتشرت المخدرات وغيرها وهُدمت الفضيله وهذا ما اراده الأعداء في خططهم  . ان الكثيرين يتسائلون من اين تأتي المخدرات الى السعوديه .. ؟ . لنقول حسب ما ذكرته المصادر المختلفه إنها تُهرب من جميع الاتجاهات الجغرافية الأربعة وبمختلف الطرق حتى انها صارت تهرب بالأحشاء . ان من اهم وسائل استهداف السعوديه ضرب الفرد والأسرة والتعليم والمجتمع وخاصة جيل شباب المستقبل الذين ظهر من بينهم مئآت المخترعين والمبتكرين والذين بُنيت عليهم آمال نجاح خطط رؤية المملكه العربيه السعوديه للتنميه  ( 2030 ) . إن من  الأضرار الجسيمه لتهريب المخدرات ارتباطها بعمليات غسيل الأموال وهذا ما اثبتته التقارير الأمنيه لدى جهات الإختصاص . إن هدف هذه الهجمه باستخدام المخدرات أو غيرها ضرب كل قدرات الدوله السعوديه الشامله دون استثناء ، فإذا افسدت المخدرات وغيرها الشعب فستنهار خطط التنميه وهذا ما جعل سمو الأمير محمد بن سلمان بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين يتخذ اجراءآت صارمه ضد اي تهديد لكيان الدولة وللوطن والمواطنين والمقيمين . يتساءل المتابعون ماهي الحلول للقضاء على ظاهرة تخريب المجتمع و رؤية ٢٠٣٠ ؟ فنقول بأن أجهزة الدوله المختصه تعمل ليلا ونهاراً على مكافحة ظاهرة المخدرات أما  الآراء السائده في الساحه فتشير الى ان هناك خطوات لا بد من العمل بموجبها وأولها استمرار تنفيذ الحمله الحاليه لمكافحة المخدرات وأن تكون دائمة وليست مؤقته لأنها قضت على كثير من أوكار مروجي المخدرات والمتعاطين والمتساهلين معهم وكشفت اوكار الرذيله بل ان هذه الحمله خففت أو ازالت كثير من مصادر التهديد الأمني بأنواعه المختلفه مثل غسيل الأموال وتهريب السلاح والذخائر والسرقات وتواجد المجهولين ومروجي الاشاعات وعززت دور و هيبة رجال الأمن وقضت ايضاً على ظاهرة التسول وحجمت التسكع المشبوه في الاسواق والطرق والفيافي والقفار .. إن القضاء على ظاهرة المخدرات يتطلب اجتثاث المروجين وتعميق غرس الوازع الديني والترابط على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع وممارسة التربيه الصحيحه واظهار اخطار المخدرات ونتائجها السيئة والمخيفه بتفعيل ألأدوار الإيجابيه للمنزل والشارع والمدرسة والاسواق والحفلات الخاصة والعامه وادخال منهج دراسي بمسمى الأخطار المهدده للمجتمع في مناهج التعليم بكل مستوياته إضافة الى وضع الية آمنه للتعاون بين المتطوعين والمواطنين والأجهزة المختصه تحت مبدأ أن المواطن هو رجل الأمن الأول والأخذ بالإعتبار أهمية رعاية ابنائنا وبناتنا الذين فقدوا اهتمام ومشورة وتوجيه ورعاية والديهم واسرهم لأي سبب . إن نجاح خطط مكافحة المخدرات لا يمكن تحقيقه الا بآلية عمل صحيحه ومدروسه وواضحه ويكون لها صفة الديمومة والبقاء .
( وطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه )

                 اللواء الركن / م 
            حسين محمد معلوي
                   ( بريطانيا)