الممشى مبلّل بندى الذكريات،
والمقعد العتيق يرعى صمتًا،
كان ذات مساءٍ… أبلغ من كل اعتراف.
دخلت بخطى خفيفة،
كأنها تخشى أن توقظ ظلًا راقدًا في ظلال الياسمين،
أو أن تُربك سكونًا انتظرها عند الزاوية،
حيث تعانق النافورة أنين الماء،
بهدوءٍ لا يشي بالغياب.
كانت تمسك وردة…
لا لتهديها، بل كمن يُمسك بعذر ناعمٍ للوجع،
وآخر خيطٍ من الرجوع.
جلست، أغمضت عينيها…
لا تبحث عن صوت، بل عن ارتجافة حنين،
عن طيفٍ انعكس على صفحة الماء ثم تلاشى.
تذكّرت قهوته،
والكوب الورقي الذي يكتب عليه اسمها،
كأنه يوقّع على قلبه…
تذكّرت صوته حين يناديها:
“يا زهرة الياسمين”
وكيف همست له ذات مساء:
“بقربك يُورقُ النبضُ عشقًا،
وببعدك، يذبلُ الحنينُ صمتًا…”
لكنه لم يُصغِ.
فذبلت.
ورحل.
رفعت الوردة إلى أنفها،
ثم وضعتها بجانبها على المقعد،
كأنها تترك قلبها هناك… وتنهض.
قبل أن تمضي،
نظرت للأشجار نظرة سلام،
واعتذرت للزهور… التي لم يزهر بها حضورها.
ومشت خارجة من الحديقة،
بخطى امرأةٍ تعرف أن:
بعض الحدائق… لا تُزهر مرتين لنفس الزائر.
(أحيانًا، لا نكتب القصيدة… بل نكونها)