بقلم- د. نجوى الكحلوت
تتسللُ نسماتُ عشر ذي الحجة إلى الأرواح المؤمنة، تحملُ في طياتها عبق الطاعة، وروحانية المواسم العظيمة، لتهمسَ في قلوب العابدين: قد أقبلت خير أيام الدنيا فأين المُقبِلين؟
عشرٌ من ربي قد هلّت
بالذكرِ اعمُرْهَا والقُرآن
أَحْرَمَ قلبي… نعم، كما يُحرِم الحاج من الميقات، يدخل في النسك فتعظُم عنده العبادات ويشعر بالقرب من رب السماوات فتأخذه مخافة الله عن المحرمات، إنه قد أَحْرَمَ! لذلك ينبغي عليه أن يُعظِّم شعائر الله التي شُرِعت لتحتمي في ظلها أرواحُنا من عبء الدنيا، تأخذنا حيث النقاء والطُهر، أَحْرَمَ قلبي عن الغفلة، ولبس لباس الطاعة، ونوى السير في دروب القرب من الله، فلا مجال لتقصير ولا وقت للهو.
ورد في الحديث الشريف عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء". (رواه البخاري)
عشرٌ عظيمة، أقْسمَ الله بها في كتابه، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ الفجر(1-2)، قال جمهور المفسرين: هي عشر ذي الحجة، في هذه الأيام تُضاعف الأجور، وتُفتح أبواب السماء للدعاء، وتُرفع فيها الأعمال، وتُعتق الرقاب من النار، ويجتمع فيها أعظم العبادات: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج.
أَحْرَمَ قلبي فهذه فرصة لا تُعوّض! كم من رمضان مرّ وودعناه ونحن نرجو أن يبلغنا الله عشر ذي الحجة، وها هي قد اقربت، فهل نستقبلها كغيرها من الأيام؟ أم نُشمّر عن سواعد الجد ونسابق في ميادين الخير؟
هي أيامٌ لا تُشبِهُهَا أيام، كل يومٍ من هذه العشر كنزٌ لا يُقدّر بثمن، وفيها يوم عرفة، اليوم الذي يُغفر فيه الذنب ويتباهى الله فيه بأهل الموقف، وفيها يوم النحر، أفضل أيام الدنيا كما أخبر بذلك النبي ﷺ، وهو ختام خير وبركة.
فلتُحرِم قلوبُنا حقًا لتطوف في رحاب الطاعة، ولتهتِف “لبيك اللهم لبيك” كلما دعانا الله إلى برٍ وخير.
أَحْرَمَ قلبي لأكون من السائرين إلى الله، وإن لم أكن حاجًا، فقلبي حاجٌ مشتاق. اللهم بلّغنا عشر ذي الحجة، ووفقنا فيها لما تحب وترضى، واكتبنا من المُقْبلين المَقْبُولين.