الكاتب : د. فايز بن علي الأحمري 
التاريخ: ١٢ يوليو-٢٠٢٣       36685

وداعاً أيّتُها الروح الطاهرة !


فقدتُ أمي عصر يوم الأربعاء ،و وارى جثمانها الثرى عصر يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة لعام ألف وأربع مئة وأربعة وأربعين من الهجرة بعد معاناة مع المرض ، وكانت صابرة محتسبة ، راضيةً بما قدّره الله تعالى .ولا أذكر أنَّها أظهرت شكوى لمرضها ،أو أبدت اعتراضًا على قضاء الله وقدره ، بل الاستسلام المطلق ، والصبر الجميل الذي لاشكوى معه .
وممّا هوّن الفقد لأمنا الحبيبة علمنا أنّها قد وفدت على كريم رحيم أرحم بها منّا ، وقد اختارها لجواره ، وثناء النّاس عليها ، وذكرها الطيب وسيرتها الحسنة ، وجنازتها المشهودة العظيمة حتى روى لنا بعض الحضور أنه لم يجتمع لأحد قبلها مثل هذا الجمع ، وكذلك مراسم العزاء المهيبة التي حضرها أعداد كبيرة من جميع أطياف المجتمع رجالاً ونساءً ، وكل الألسنة تلهج لها بالدعاء في ساعة الاستجابة من يوم الجمعة وفي الأشهر الحُرم ، فنسأل الله تعالى أن يتقبلها بقبول حسن ، ويغفر لها .
الحديث عن والدتي ومناقبها ومآثرها لا يحصره مقال مُقتضب في هذه العُجالة ، وما أكتبه هو غيض من فيض ، وقليل من كثير ، ولكن كما قيل : يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ، وسوف أستعرض بعضاً من تلك المناقب التي نقلها ، وأجمع عليها خلق ٌكثير ممن عاصرها حتى لا تطغى العاطفة على حديثي عنها -رحمها الله - ، فقد نشأتْ في أسرة عُرِفَ عنها الصلاح والاستقامة والتقوى والتمسك بتعاليم الدين والأخلاق الحميدة ، والعادات والتقاليد التي يحث عليها ديننا الإسلامي الحنيف ، فقد كانت شديدة الحرص على التمسك بتعاليم دينها ، حريصة ومواظبة على  أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها ، شديد العناية بالسنن الرواتب فلا تَقِلُ أهميةً عندها من الصلوات المفروضة ، وبما أنها أُميّة لا تقرأ ،ولا تكتب إلا أنها حفظت كثيراً من سور القرآن الكريم سماعاً ، وترتلها باستمرار في حضور الأبناء والأحفاد ،كانت حريصة كل الحرص على الأذكار والأدعية المأثورة صباحاً ومساءً ، ولها مع شهر رمضان المبارك حكايات أخرى ، حيث تغمرها السعادة بحلول الشهر الكريم ، وتَعُدُّ له العُدَّةَ قبل حلوله حيث كانت تتعهد بإعداد إفطار الصائم طيلة شهر رمضان في مسجد القرية بمساعدة الوالد والأبناء ، ولا تنسى نصيب الرعاة والفقراء والمعوزين ، ولا يهدأ لها بال حتى ترى السعادة ترتسم على وجوه الجميع ، كما أنها تفرح بقدوم الضيوف لمنزلنا ، وتسرع في إعداد الطعام ؛ فتكرم الكبير والصغير ، وتسارع في تقديم العون والمساعدة بقدر استطاعتها وبمساعدة والدي رحمه الله للفقراء والمعوزين في القرية والقادمين من خارجها .
وكانت الصدقة ومساعدة المحتاجين من أجلِّ الأعمال التي عُرِفت عنها، ويشهد لها من عاصرها ، فلم تكن تدخر وسعاً في مد يد العون والمساعدة لكل محتاج ، بل إنها كانت تُؤثر على نفسها ولو كان بها خصاصة رغبةً في الأجر والثواب من رب العالمين . 
ومن مآثرها - رحمها الله - أنها كفلت مع والدي يتيماً فَقَدَ والديه منذ ولادته لمدة تزيد عن عشرين عاماً ، وعاش في كنفهما كأحد الأبناء بل كان يحظى بكريم الرعاية وعظيم العناية حتى بلغ أشُدّه ، وتزوّج ،ورحل إلى قريته حيث يسكن قرابته ، وظل على تواصل معهما حتى وفاته رحمه الله تعالى .
وكانت -رحمها الله -تتحلى بحسن الخلق ، وشدة الحياء والحشمة والوقار ، ومعاملة الآخرين معاملة حسنة ، والحرص على إصلاح ذات البين ، ونبذ الخلافات حتى إنها كانت توصي والدي رحمه الله ، وتوصينا جميعاً بعدم الجدال والدخول في الخصام مع أحد، وكانت تحب الألفة واجتماع الأُسرة وزيارة الأقارب والجيران ، والقيام بواجب زيارة المريض ، والمشاركة في الأفراح ، وغيرها من الأعمال الجليلة التي يصعب حصرها .لقد رحلتْ أُمي ، وبقيتُ أتساءلُ في حزنٍ وألمٍ 
أينَ أَنتِ يا أُمّي ؟ 
يا روحاً طاهرةً تهيمُ من حولي، يا حُضناً دَافئاً كَم شكوتُ إليه همّي، بفراقك يا أُمّي فَارقني الأَمان، أَحسستُ بِغُربةٍ في الزمان والمكان، ذهبتِ ، وذهَب معكِ كُلُّ الحنان ، أَشعُرُ بروحكِ العَطِرة تُظِللني في ذهابِي وإِيابي ، فأنتِ يا حبيبتي دَائماً معي، لا يغيبُ كلامُكِ عن سمعي، ولا صورتكِ عن ناظري ، ولسان حالي يقول :
"لَعَمْرِي لَقَدْ غَالَ الرَّدَى مَنْ أُحِبُّهُ..
وَكانَ بودي أنْ أموتَ وَيسلما
وَأيُّ حياةٍ بعدَ أمٍّ فقدتُها..
كَمَا يفْقِدُ الْمَرْءُ الزُّلاَلَ عَلَى الظَّما
تَوَلَّتْ، فَوَلَّى الصَّبْرُ عَنِّي، وَعَادَنِي..
غرامٌ عليها، شفَّ جسمي، وأسقما
وَكانتْ لعيني قرةً، وَلمُهجتي..
سروراً، فخابَ الطرفُ وَالقلبُ منهما
فَلَوْلاَ اعْتِقَادي بِالْقَضَاءِ وَحُكْمِهِ..
لقطّعتُ نفسي لهفةً وَتندُما "
فاللهم اغفر لأمي ،وارفع درجتها في جنات النعيم ، وافسح لها في قبرها ، ونوّر لها فيه ، واجعلها من أهل فردوسك الأعلى .اللهم اجعل هذا المقال صدقةً جاريةً لها ما انتفع به منتفع ، وسبباً لإحسان الأبناء لأمهاتهم ، وطريقًا لزيادة المحسن البار ، وتذكرةً للمعرض المقصّر .
اللهم اجمعنا بوالدينا ومن له حق علينا من المسلمين والمسلمات في جنات النعيم .

كتبه ابنها د. فايز بن علي الأحمري . جدة