الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ مايو-٢٠٢٥       11935

بقلم- شموخ نهار الحربي 

في عالم يحتفي بمن يعطي بلا توقّف ويصفق للمرونة المطلقة، تبدو كلمة «لا» كأنها فعل فظّ أو دليل على الأنانية، غير أنّ الحدود الشخصية ليست جدارًا أمام المحبة، بل أسسًا تحمي صحتك النفسية وتحافظ على نقاء العلاقة مع الآخرين، قول «لا» هو حقّ لا ترف، ومن يُدرك ذلك يتخلص من عقدة الذنب التي تلاحق الرافضين.

الذنب يتسلل عادةً من برمجة اجتماعية تُمجّد التضحية وتربط قيمتك بإرضاء الجميع، ثم هناك الخوف من خسارة القبول أو إثارة استياء الآخرين، ويضاف إلى هذا الارتباك الداخلي حين لا تكون قيمك واضحة؛ فتتساءل باستمرار إن كان الرفض مبرَّرًا أم لا.

اسأل نفسك: هل يمس الطلب سلامتي أو قيمي؟ هل يزاحم التزامًا أهم في حياتي؟ هل يبادلني تقديرًا حقيقيًّا أم يستهلك طاقتي وحسَّي الذاتي؟ إن كان الجواب «نعم» لأي من هذه الأسئلة فرفضك ليس مجرد خيار، بل ضرورة.

حين تحين لحظة الرفض، العبارة الواضحة تكفي، «لا أستطيع المشاركة» جملة كاملة لا تحتاج زخرفة، إذا رغبت في إضفاء لمسة ودّ، قدم سببًا مختصرًا صادقًا من دون أن تغوص في تفاصيل مبرّرات طويلة؛ فالشرح المفرط يوحي بأنك تبحث عن إذن للامتناع، أحيانًا يعجبك أن تعرض بديلاً مناسبًا، كأن تؤجّل المساعدة إلى وقت لاحق أو توجّه صاحب الطلب إلى شخصٍ آخر يستطيع العون، الجسد الواثق ونبرة الصوت الهادئة أكثر إقناعًا من ألف كلمة.

قد يضغط عليك البعض بعد أن ترفض، كرّر ردك بهدوء مهما تعددت محاولاتهم، اعكس الموقف إذا لزم: «أتفهم حاجتك، وأتوقّع تفهمك لحاجتي أيضًا»، وإن فاجأك الطلب امنح نفسك مهلة تفكير: «دعني أراجع جدولي وأعود إليك»، هذا التأجيل يحول دون الموافقات المتسرعة ويخفّف وطأة الشعور الفوري بالذنب.

بعد كل رفضٍ ناجح، لاحظ المكاسب التي تحققت: وقت إضافي لعائلتك، نوم أعمق، إنجاز أكبر في مشروعك الخاص، أعد صياغة القصة في ذهنك: أنت لا ترفض الشخص بل ترفض الطلب الذي يتجاوز قدرتك الحالية، وذكّر نفسك دوماً بأن حقك في الراحة لا يقل عن حق الآخرين في طلب المساعدة.

حين تتقن فن قول «لا» بلا مرارة أو تبرير مبالغ فيه، تتّضح ملامحك للآخرين؛ يعرفون بدقة ما يمكنهم طلبه وما لا يمكنهم انتزاعه، هذا الوضوح يبني احترامًا متبادلاً ويمنع تراكم الضغائن الصغيرة التي تقوّض العلاقات على المدى البعيد، الحدود الصحية لا تقيم حاجزًا بينك وبين الناس، بل تبني جسراً متيناً يعبره من يقدّر وقتك وطاقتك ويعيد إليك مساحةً كافية لتزهر فيها حياتك.