الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ مايو-٢٠٢٥       24090

بقلم - شموخ نهار الحربي

نعيش في مجتمعات تُقدِّس الشهادات الأكاديمية، وتربط النجاح بالدرجات والمعدلات، وتُقيِّم الإنسان حسب تخصصه الجامعي لا حسب قدراته أو شغفه. نُربّى منذ الصغر على أن “الدراسة أولاً”، وأن “الشهادة هي الضمان”، حتى أصبح هذا المفهوم جزءًا من تفكيرنا، نتوارثه دون تساؤل. لكن هل فعلاً  الدراسة  هي الطريق الوحيد نحو مستقبل ناجح؟ وهل يمكن للإنسان أن يتفوق في مجال لا يحبه؟ هذا هو الصراع الذي يواجهه جيلٌ كامل، بين ما يمليه العقل، وما يصرخ به القلب.

الدراسة، بلا شك، أمر مهم. لا يمكننا أن ننكر أنها تعطي الإنسان فرصًا، وتفتح له الأبواب، وتمنحه احترامًا في المجتمع. التعليم يصقل الفكر، ويمنحنا أدوات الفهم والتحليل والتعبير. ولكنه في كثير من الأحيان يتحول إلى عبء ثقيل عندما يكون مفروضًا لا مختارًا، أو عندما لا يرتبط بشغف الشخص الحقيقي.

على الجانب الآخر،  الشغف  هو المحرك الداخلي الذي لا يخضع للمنطق أو التوقعات. هو الطاقة التي تدفع الإنسان للسهر والتعب والتجربة من دون أن يشعر بأنه مُجبر. كثير من الناس وجدوا نجاحهم الحقيقي عندما اتبعوا شغفهم، حتى لو كان خارج إطار التخصصات التقليدية. فكم من طبيب أصبح مصورًا ناجحًا؟ وكم من مهندس هجر مجاله ليصبح فنانًا أو كاتبًا؟ وكم من طالب عانى في الجامعة لأنه لم يختر ما يحب، بل اختار ما أُجبر عليه؟

المشكلة لا تكمن فقط في الأنظمة التعليمية، بل في ثقافة تربط بين التخصص والهوية، وبين الشهادة والقيمة. من الطبيعي أن تكون  الدراسة  خطوة في طريق الإنسان، لكنها لا يجب أن تُلغي إنسانيته، ولا أن تُدفن أحلامه. هناك طلاب يدرسون تخصصات لا يحبونها فقط لأن المجتمع يرى أنها “مضمونة”، أو لأن أهلهم يرغبون في أن يكون لهم مكانة معينة. لكن ماذا عن صوتهم؟ عن ميولهم؟ عن ما يجعلهم يشعرون أنهم أحياء؟

لا يعني هذا أن نتخلى عن الدراسة، أو أن نعيش فقط على الأمل أو الشغف. التوازن هو الحل. أن ندرس ما نحتاجه، لكن دون أن نُهمِل ما نُحب. أن نُطوّر شغفنا إلى مهارة، وأن نحاول دمج ما نحب مع ما ندرس، ولو بعد حين. وأن نُدرك أن النجاح الحقيقي ليس فقط في الراتب العالي أو اللقب الكبير، بل في أن نعيش حياة نشعر فيها بالمعنى.

في زمننا هذا، بدأت الموازين تتغير. لم تعد الشهادات وحدها تصنع الوظائف، بل المهارات، والإبداع، والقدرة على التميز. كثير من الشركات اليوم تبحث عن ما تستطيع فعله، لا ما كتبته على ورقة التخرج. الإنترنت فتح أبوابًا لم تكن موجودة من قبل، ومنصات العمل الحر أثبتت أن  الشغف  يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل حقيقي.

لكن ذلك لا يلغي المسؤولية عن الأسرة والمؤسسات التعليمية. يجب أن تكون هناك بيئة تشجع على الاكتشاف والتجربة، لا فقط على التلقين والتوجيه الإجباري. يجب أن يُمنح الطالب فرصة ليعرف نفسه، ليُجرِّب، ليُخطئ، ثم يختار. لأن القرار الذي يُبنى على وعي وشغف، يكون دائمًا أقوى من القرار الذي يُبنى على الخوف أو الإرضاء.

في النهاية، مستقبلي لا يجب أن يُصنع فقط وفق توقعات الآخرين، بل بما أحب وأُجيد. فالدراسة قد تفتح لك الطريق، لكن  الشغف  هو ما يجعلك تسير فيه بثبات وسعادة.