الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ مايو-٢٠٢٥       14575

بقلم الكاتبة التونسية : سيماء بنت الهادي المزوغي

في زمنٍ مُتخمٍ بالصراعات ومفتونٍ بمواسم الفُرجة السريعة، حيث تُفرغ الشاشات كل طاقتها في الضجيج، وتُستهلك المفردات حتى تبهت معانيها، تُطلُّ الثقافة كضوء خافت لكنه عنيد، كمحرّك لا يُرى لكنه لا يكفّ عن الدفع. الثقافة وحدها تُجيد الإصغاء لما هو عميق، تُربّت على الكتف بينما تهمّ الجموع بالهتاف. ولأن المعاني لا تُقصف بالطائرات، بل تُنسف بالتفاهة، فإن ما تنسجه  المملكة  العربية السعودية في السنوات الأخيرة لا يمكن قراءته إلا كأفق حضاري يتشكّل بصمتٍ أنيق، لا يطلب التصفيق، بل يعوّل على التراكم والمعنى.

في معرض تونس الدولي للكتاب، لم يكن الحضور السعودي طيفًا دبلوماسيًا باهتًا، بل بدا وكأنه نفسٌ طويل يحمل في طيّاته وعدًا بالتحوّل. لم تأتِ الثقافة السعودية لتحتكر الحديث، بل لتقترح خطابًا بديلًا: بالكلمة لا بالسلاح، وبالكتاب لا بالشعار، وبالأسئلة لا بالإجابات الجاهزة.

لقائي مع الروائية بدرية البشر لم يكن مجرد محادثة عابرة، بل لحظة تقاطع بين الهواجس الفردية والرهانات الجمعية. تحدّثنا عن الهوية حين تكتبها امرأة، وعن اللغة حين تخوض معركتها ضد الصمت، وعن الكتابة بوصفها مساحة مقاومة لا تُجيد الزعيق، لكنها تُجيد الحفر. لم تكن بدرية تُنظّر، بل كانت تُحاور، تُشكّك، وتطرح أسئلتها كما لو أنها تُعيد ترتيب الداخل في مواجهة الخارج.

ما تفعله السعودية اليوم في حقل الثقافة لا يبدو مجرّد تجميلٍ لصورة، بل أقرب إلى ورشة بناء متأنية. قد يُخطئ البعض في اختزال هذه الدينامية إلى استراتيجية علاقات عامة، لكن مَن يقرأ بين السطور، ومن يُصغي لما يحدث على هامش المهرجانات وخلف أضواء المنصّات، سيدرك أن ثمّة مجتمعًا بدأ يُطالب بالمعنى، وأن ثمّة مثقفين لم يعودوا يكتفون بدور الشاهد، بل انخرطوا في صناعة الرؤية.

السعودية الجديدة...  ثقافة  تمشي على أطراف الأصابع لكنها تترك أثراً عميقاً

ما يحدث في السعودية ليس ترفًا ثقافيًا مرافقًا لحراك اقتصادي. بل هو نُهوضٌ هادئ، أشبه بموسيقى داخلية يتعلّم بها المجتمع أن يصغي لنفسه. من تأسيس الهيئات الثقافية إلى دعم السينما، من مهرجانات الموسيقى إلى بعثات الفنون البصرية، كل ذلك يُشير إلى شيء واحد: أن الدولة باتت ترى في المواطن مُنتجًا للمعنى لا مجرد مستهلكٍ للصور.

الرواية السعودية لم تعد تحبو في ظل الاعتراف، بل صارت تكتب بأصوات متعددة، كل منها ينتمي لتربة مختلفة. بدرية البشر، رجاء عالم، عبده خال، ويوسف المحيميد، وغيرهم كثيرون، صاروا يحكون لا ليخبروا، بل ليعيدوا تشكيل المخيلة.

السينما، التي عادت بعد سبات طويل، جاءت كمن يُكمل جملة قُطعت منذ عقود. أفلام هيفاء المنصور وتلك الموجة الشبابية، لا تكتفي بسرد القصص، بل تُربك المفاهيم: عن المرأة، عن الدين، عن الحياة اليومية في مدنٍ تتبدل أسرع من ظلّها.

أما الفنون البصرية، فقد دخلت مرحلة من الجرأة في الطرح والبحث في العلاقة بين الجمال والهُوية. فاطمة النمر، وعد الشلاش، وآخرون، يحفرون في العمق، ويجعلون من اللوحة مساحة لحوار صامت لكنه فاضح.

حتى الموسيقى، وهي فنٌ كان يُنظر إليه بشك، أصبحت اليوم أداة لإعادة بناء الذاكرة. لم تعد مجرد لهو، بل غدت سؤالاً: كيف تُغني مدينةٌ كاملة وجراحها لم تلتئم؟

في كل هذا، نلمح أن المثقف السعودي لم يعد مُترجمًا لأفكار غيره. بل أصبح يُنتج نصّه الخاص، بلغته الخاصة، وبمشاكله الخاصة. لا يريد أن يُقنع، بل أن يُقلق.

حين يتحدّث الإعلام بلغة الروح

في ندوة عن "الإعلام الثقافي"، تحدّث القاص السعودي حمزة كاملي بلغة فيها من السكينة ما يربك المستمع. قال إن الإعلام ليس ناقلًا للثقافة، بل شريكًا فيها. وإن لم يكن كذلك، فهو صورة بلا روح. "الإعلام الثقافي ليس رفاهية للنخب، بل هو مسألة وعي وطني،" قالها وأعادني لبورديو: الثقافة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها، بل تُحدث أثرها في بنية الوعي.

الثقافة كقوة ناعمة... لا ككُحلٍ سياسي

ما تقوم به  المملكة  اليوم ليس مساحيق تجميل. بل هو غوص في جوهرٍ جديد. الثقافة لا تُستخدم كأداة لتلميع السياسة، بل كمنظومة لتجديد الإنسان. ولعل هذا ما يُخيف البعض ممن تعوّدوا أن يروْا في الثقافة ترفًا لا مشروعًا. هنا، تُعلن السعودية عن هويتها الناعمة: لا بفرض المعنى، بل بخلقه.

ليست  المملكة  قوة نفطية فحسب. هي الآن قوة سردية، تقدم نفسها بلغة الفن، بلسان الحكاية، بصوت نساء يكتبن وجوههن وأصوات رجال يسائلون صمتهم.

ما رأيته في معرض تونس لم يكن استعراضًا للعضلات الثقافية، بل كان أشبه بجلسة حكي بين غرباء سرعان ما أصبحوا شهودًا لبعضهم. لم تأتِ السعودية لتقول "انظروا إلينا"، بل لتقول "هيا نتأمل معًا". كان الحضور السعودي صادقًا، مُتزنًا، لا ضجيج فيه ولا افتعال، بل نفَس طويل يُشبه مَن يعرف طريقه لكنه لا يستعجل الوصول.

رأيت جيلاً سعوديًا جديدًا، واثق الخطى دون صخب، لا يتوسل الاعتراف، ولا يحتاج إلى مرآة خارجية ليعرف من هو. جيلٌ يُريد أن يُكتب له لا عنه، وأن يُناقَش لا أن يُصفّق له. يحمل دفاتر الأسئلة لا شعارات الجواب، ويؤمن أن الثقافة لا تُفرض بل تُقترح، ولا تُقال بل تُنصت.

ولعلّ هذا ما يجعل الثقافة السعودية اليوم لا فقط ملفتة، بل ملحّة... لأنها لا تسعى لتسيّد الحكاية، بل لفتح أبوابها.  ثقافة  تضع الكرسي الفارغ للآخر، وتقول: "تفضل، عندنا متّسع للسرد المشترك."

وما أجمل الثقافة حين لا تطرق بابك، بل تدخل كما تدخل قريبة قديمة، تُنقّب في الذاكرة وتُربّت على القلب. تحمل في يدٍ قصيدة، وفي اليد الأخرى سؤالًا لا يطلب إجابة، بل يدعوك للبحث معها عنها.

(وللحديث بقية)