النهار

٢٦ ابريل-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ ابريل-٢٠٢٥       35310

بقلم: د. غالب محمد طه

مساء الخميس، طلب أطفالي الخروج في نزهة إلى الحديقة؛ لم أكن في مزاج يسمح، أسبوع طويل من الالتزامات والتعب جعلني أميل للبقاء في البيت، لكن مع إصرارهم الطفولي، وجدتني أتنازل، لست مجبرًا، بل حبًا في مشاركتهم لحظة قد تترسخ في ذاكرتهم.

اخترنا وجهة قريبة من منزلنا: حديقة "أبو موسى الأشعري" في حفر الباطن. كنت أرتادها سابقًا لممارسة رياضة المشي، لكنها اختفت من روتيني منذ فترة؛ لم أتوقع أن زيارتنا تلك الليلة ستقلب مزاجي رأسًا على عقب.

ما إن دخلنا الحديقة حتى فوجئت؛ بل دُهشت من حجم التغيّر الذي طرأ على المكان. المساحات الخضراء اتسعت، الممرات أضيئت، الألعاب تطوّرت، والأجواء تحوّلت إلى لوحة من الجمال والراحة. بدا واضحًا أن أمانة حفر الباطن لم تكتفِ بعمليات تجميل شكلية، بل أعادت تصميم الحديقة لتكون وجهة عائلية متكاملة، تمنح الجميع السعادة.

كانت الحديقة تعج بالحيوية، مجموعة من الزوار يمارسون رياضة المشي على المسارات المضاءة، وآخرون يستخدمون الأدوات الرياضية المنتشرة في أرجاء المكان؛ وبينما كنت أراقب هذه الأنشطة، وجدت نفسي، دون أن أشعر، أنضم إليهم وأبدأ في ممارسة رياضة المشي. كان شعور الحركة وسط هذا الجو المليء بالطاقة الإيجابية والابتسامات مميزًا للغاية، وكأن الحديقة تلهمك للاستمتاع بكل لحظة فيها.

حديقة أبو موسى الأشعري لم تعد مجرد مساحة للترفيه، بل صارت تجربة حقيقية للراحة النفسية والاجتماعية. مسطحاتها الخضراء تغطي 60 ألف متر مربع، ومضمار المشي البالغ طوله أكثر من كيلوين، ومنطقتا الألعاب المصممتان للأطفال بمختلف أعمارهم، كلها تفاصيل تؤكد أن المكان بُني بعناية لاحتضان العائلة بكل مكوناتها.

ما يجعل الانطباع أقوى هو أن هذا الجمال ليس وليد مشروع جديد، بل ثمرة تجديد مدروس لمكان كان مألوفًا، لكنه الآن عاد مختلفًا كليًا. حتى ابنة خالتي، القادمة من مدينة جنيف السويسرية، والتي تعيش وسط بيئة طبيعية تحسد عليها، عبّرت عن إعجابها قائلة: "ما رأيته هنا يُضاهي ما اعتدنا عليه في حدائق أوروبا... بل يتميّز بدفء عائلي لا نجده هناك كثيرًا." شهادة كهذه، من زائرة خبيرة بالجمال، تؤكد أن التطوير الذي شهدته الحديقة لم يكن سطحيًا، بل عميقًا يمسّ روح المكان.

الأهم من ذلك، أن الحديقة نجحت في دمج التقنية مع الهوية الثقافية بشكل مبدع؛ تم تزويدها بمقاعد ذكية متصلة بالإنترنت، مع إمكانية شحن الأجهزة الكهربائية باستخدام الطاقة الشمسية، مما يعزز الاستدامة البيئية ويُقلل من أثر المكان على الموارد الطبيعية. كما أن التنظيم الداخلي للحديقة يراعي راحة الزوار ويُشجع على التفاعل الإيجابي مع البيئة. في الوقت نفسه، يظل الاسم العريق "أبو موسى الأشعري" حاملاً بين طياته رمزية دينية وثقافية عميقة، تعكس التاريخ والجمال. هذا التزاوج بين الحداثة والتراث أضفى على الحديقة طابعًا مميزًا، محوّلًا إياها من مجرد مكان للتنزّه إلى تجربة ثقافية وروحية غنية.

هذا المشروع في صورته الحديثة ليس منعزلًا عن سياق أوسع، بل هو امتداد لرؤية المملكة 2030، التي تضع جودة الحياة في مقدمة أولوياتها. تسعى الرؤية إلى تحويل المدن السعودية إلى بيئات مستدامة وصحية، حيث يصبح الترفيه جزءًا من الحياة اليومية، لا رفاهية مؤقتة. وحديقة أبو موسى الأشعري مثال حي على هذا التحول.

ما يجعل التجربة أجمل هو شعورك بأن الحديقة ليست فقط مصممة جيدًا، بل "مُقدّرة". كل زاوية فيها توحي بأن من عمل عليها، لم يكتفِ بأداء واجبه الوظيفي، بل زرع فيها شيئًا من القيم والجمال. وربما هنا تكمن مسؤوليتنا كزوار، أن نحافظ على هذا الإنجاز، وأن نردّ الجَميل باحترام المكان، والحفاظ عليه نظيفًا وهادئًا.

في هذه الحديقة، لا يتوقف الأمر عند الرياضة أو الاستجمام فقط. فهي مكان يمكن أن يلتقي فيه الجميع، سواء للاستمتاع بلحظات الاسترخاء والهدوء، أو للاستمتاع بأوقات الونس مع الأهل والأصدقاء، أو حتى الهروب إلى عالم الكتب في الأجواء الطبيعية. الحديقة هنا، لا تعزل الزائر عن العالم، بل تمنحه فرصة لاستخدامه بشكل أهدأ وأجمل.

ربما في زحام الأيام وكثرة المشاغل، نحتاج إلى لحظة نلتقط فيها أنفاسنا، ونسمح لعقولنا بالصمت قليلاً. ربما لا يحتاج الأمر أكثر من نصف ساعة، ونزهة هادئة في مكان كهذا، حيث نتأمل في جمال الطبيعة ونتنفس بعمق، لنجد توازنًا جديدًا ويعود لنا النشاط.

وفي نهاية تلك الأمسية، عدت إلى البيت ممتنًا؛ لأطفالي الذين أصرّوا على الخروج، وللحديقة التي منحتنا لحظة دافئة، ولنفسي... لأنني قلت نعم في الوقت المناسب.