الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ ابريل-٢٠٢٥       26015

بقلم- أسامة القحطاني 

في سياق التحولات الثقافية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، وفي إطار العناية المتنامية بالفنون التقليدية كجزء من استراتيجية بناء الهوية الثقافية الوطنية، أطلقت وزارة الثقافة السعودية (الخط الأول والخط السعودي) وهو مشروع ضمن مسار إعادة بناء المرجعيات البصرية للحرف العربي من منطلق وطني، يستند إلى المعطيات التاريخية والثقافية والجغرافية في الجزيرة العربية.

لقد جاء  الخط السعودي  بوصفه بنية خطية مُركّبة تتأسس على التوليف بين القواعد الجمالية والتكوينية للخط الحجازي (الأول)، وبين العناصر الثقافية والشكلية والدلالية المستمدة من البيئة السعودية، على نحو يجعل منه محاولة علمية وجمالية لصياغة هوية خطية وطنية تستوعب في جوهرها التراكم التاريخي لحضارة الحرف العربي، وتعيد تقديمه في قالب معاصر قابل للتداول البصري والوظيفي في السياقات الرسمية والثقافية.

وتمثل هذه المبادرة استجابة علمية لفجوة طالما أشار إليها الباحثون في مجالات الخط والفنون التقليدية، وهي غياب نموذج خطيّ موحَّد ذي جذور محلية يعكس الخصوصيات الثقافية لمجتمع المملكة العربية السعودية، ويتجاوز النمطية الخطية الموروثة من المدارس المشرقية أو المغاربية أو ربما غير العربية. وتنبع أهمية هذه المبادرة من كونها لا تُنتِج خطًا جديدًا فحسب، وإنما تؤسس مرجعية معرفية بصرية تُناظر المرجعيات المعمارية والزخرفية واللغوية التي شكلت تاريخ الهوية الثقافية السعودية.

وفي هذا السياق، يندرج كتابي المعنون بـ(الخط الحجازي: في ضوء النقوش الإسلامية المبكرة) ضمن المسارات التأصيلية لهذا المشروع، إذ يتناول بالدراسة والتحليل المعمق نشأة وتطور الخط الحجازي (الخط الأول)، بوصفه أقدم الخطوط العربية الإسلامية المدونة، والذي وثّقته لنا النقوش الصخرية الإسلامية المبكرة، وتجلّت ملامحه في بيئة المملكة التي كانت نقطة التقاء للحركة العلمية والتجارية والثقافية في مختلف العصور وأهمها فترة صدر الإسلام. ويؤكّد الكتاب، من خلال المسح الميداني والتحليل البصري للنماذج الكتابية، أن الخط الحجازي شكّل الأساس الأولي الذي تطوّرت منه لاحقًا أنماط خطية متعددة، وكان أحد اللبنات الأولى التي ساهمت في تشكيل الهوية الخطية للمنطقة، وما يزال ذلك التطور مستمرًا حتى اليوم؛ حيث نرى أحد صور تطوره متمثلة في الخطّ السعودي الذي خرج من رحم الخط الحجازي (الأول) بعد ما يزيد عن أربعة عشر قرناً؛ مما يعكس ثراء الخط العربي وقوة تأثيره.

وبالعودة إلى الخط السعودي، فإننا إزاء مشروع لا يهدف إلى إنتاج نمط خطي للاستخدام الفني فقط، بل هو مشروع وطني لإعادة تأصيل الحرف العربي من خلال إعادة ربطه بجذوره الحضارية والجغرافية والثقافية، ليُنتج بذلك خطًا سعوديًا بامتياز يستبطن الذاكرة البصرية المحلية، وينفتح في الوقت نفسه على المتطلبات التقنية والاتصالية المعاصرة، وإن ما يُميّز هذا التوجّه هو اعتماده على مقاربة علمية تركيبية تجمع بين البحث التاريخي والتحليل الجمالي والدراسة الميدانية، وهو ما يجعله نموذجًا يحتذى في كيفية صياغة هوية بصرية قائمة على المعرفة والأصالة البحثية.

وختامًا، فإن إطلاق وزارة الثقافة للخط الأول والخط السعودي، وإسهامات الباحثين في هذا الحقل –ومنها كتاب الخط الحجازي– يشكلان لبنة تأسيسية لمجال بحثي جديد يمكن تسميته بـ”جغرافية الخطوط” والذي أعلنّا بدء العمل عليه في يناير الماضي بالتزامن مع إطلاق كتاب الخط الحجازي، ويقوم مشروع جغرافية الخطوط على دراسة توزيع الأنماط الخطية في ضوء العوامل الثقافية والسياسية والاجتماعية، ويعيد الاعتبار للحرف بوصفه شاهدًا معرفيًا على تحولات الهوية وامتداداتها….

الخطاط والباحث في الخط والفنون التقليدية أسامة القحطاني.