النهار
بقلم: مـيّ بنت فلاح الحارثي
هذه العبارة تمنح الهجاء بعدًا زمنيًا وتأمليًا، يتجاوز كونه مجرد تفريغ غضب أو وسيلة للهجوم اللفظي، ليصبح فعلًا واعيًا يحمله صاحبه في ميزان القول.
فلله درّ الأرض، أن تصنع للإنسان الذميم أثرًا، وللإنسان الصالح قبرًا، فشتّان بين من يملأ الأرض ضجيجًا مسمومًا، ومن يملؤها سكونًا مشعًا بالحكمة.
الإذعان في الكلام، إذا ما تأنّق وتنمّق، يُصبح فنًا من فنون الحاذقين في اللغة، أولئك الذين يهجون دون أن يسبّوا، ويوخزون دون أن يجرحوا، يصيغون الحروف هجاءً ذاتيًا يوقظ العقل، لا سلاحًا يهين الآخر.
فهم لا يشتمون، ولا يقذفون، بل يهجون أنفسهم أولًا، محاورين من يخالفهم في الدين والأخلاق بالحكمة والبيان، فيكون هجائهم مرآة تعكس الزلل، لا نارًا تحرق بها الجسور.
أما عن الروزنامة، ففي رقرق الحديث واختيار التوقيت المناسب، يكمن سرّ صانع الأثر؛ إذ ليس كل رثاء يُقال يُراد به النواح، بل بعضه يُصاغ ليأخذ الإنسان حقه من الواقع، فيقف على تفاصيل الألم ليعلو فوقها، لا ليغرق بها.
الرثاء في روزنامة الأثر ليس هروبًا من الواقع، بل استحقاقًا للضوء بعد الظلمة، واحترافًا في تحويل التجربة إلى عزاء راقٍ، يُشبه الدعاء المغلّف بالحكمة.
وهكذا، يصبح الإذعان للهجاء والوعي بالوقت أداةً ترتّب بها الأيام لا لتمضي، بل لتصنع بها الأثر.