النهار

٠٨ ابريل-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ ابريل-٢٠٢٥       24365

بقلم: د.لولوه البورشيد

الحرية الشخصية هي واحدة من أكثر المفاهيم تعقيدا وإثارة للجدل في الفكر الإنساني، فهي تمثل تلك المساحة التي يمتلكها الفرد لاتخاذ قراراته، التعبير عن آرائه، وممارسة حياته وفقًا لقناعاته الخاصة، دون تدخل خارجي يحد من إرادته. لكن هذا المفهوم لا يعيش في فراغ، بل يتشكل ويتأثر بشكل كبير بالمجتمع الذي يعيش فيه الفرد، بقوانينه، عاداته، وثقافته.

في جوهرها، تعني قدرة الإنسان على الاختيار والتحكم في مسار حياته، سواء في اختيار معتقداته، أسلوب عيشه، أو حتى طريقة تفكيره. لكن المجتمعات غالبا ما تضع حدودا لهذه الحرية، إما حفاظا على النظام العام أو استنادا إلى قيم وتقاليد ترى أنها أسمى من رغبات الفرد، ففي بعض المجتمعات، تُعتبر 

لها قيمة عليا تكرس في القوانين والدساتير، كما في الديمقراطيات الغربية التي تؤكد على حقوق الفرد الأساسية مثل حرية التعبير والمعتقد. بينما في مجتمعات أخرى، قد تقيد هذه الحرية بشكل كبير تحت مظلة "المصلحة العامة" أو التقاليد الاجتماعية، حيث ينظر إلى الفرد كجزء من كل أكبر، وليس ككيان مستقل تمامًا.

المفارقة تكمن في أنها، رغم كونها حقا طبيعيا للإنسان، لا يمكن أن تمارس بمعزل عن الآخرين، فلو أعطي كل فرد حرية مطلقة دون قيود، قد تتحول إلى فوضى أو تتعدى على حريات الآخرين. هنا يبرز دور المجتمع في وضع توازن بين حرية الفرد ومسؤولياته تجاه الجماعة. على سبيل المثال، حرية التعبير قد تقيد عندما تتحول إلى خطاب كراهية يؤذي الآخرين، أو حرية التصرف قد تُحدَّد عندما تؤثر سلبًا على البيئة أو الصحة العامة.

من منظور المجتمع العربي، غالبا ما يتشابك  مفهوم الحرية الشخصية  مع قيم الجماعة والعائلة. فالفرد ليس مجرد كيان مستقل، بل هو جزء من نسيج اجتماعي يحدد له أدوارا وواجبات. هذا لا يعني أن الحرية الشخصية غائبة، لكنها تفهم في إطار يحترم التقاليد والدين والعلاقات الأسرية.

على النقيض، قد يرى البعض أن هذا التقييد يتناقض مع جوهر الحرية، ويدعون إلى إعادة تعريفها بما يتماشى مع العصر الحديث.

الحرية الشخصية ليست مفهوما ثابتا، بل هي نتاج تفاعل مستمر بين الفرد والمجتمع. ما يعتبره مجتمع ما حرية قد يراه آخر تقييدا، والعكس صحيح. 

لذا، فإن فهم هذا المفهوم يتطلب النظر إلى السياق الثقافي والتاريخي الذي يتشكل فيه، مع السعي الدائم لتحقيق توازن يحفظ كرامة الفرد واستقرار الجماعة على حد سواء.