بقلم - احمد الدوشان
لكل زمان ومكان أسلوبه الخاص في الحب والغزل، حيث تتغير المفاهيم بتغير الظروف. وهذا ما سنستعرضه من خلال أمثلة شعرية توضح كيف انعكس هذا التغير على الأدب. الغزل في العصر الجاهلي: امرؤ القيس نموذجًا يقول امرؤ القيس في معلقته واصفًا حال محبوبته: وتُضحي، فتيتُ المسكِ فوقَ فراشِها
نؤومُ الضحى لم تمتَطِقْ عن تفّضُلِ.
الشاعر هنا يتغزل بحبيبته، مشيرًا إلى أنها تعيش في نعيم وترف ينعكس على جمالها. فالمسك—وهو من أغلى العطور في ذلك العصر—يتفتت على فراشها، كناية عن وفرته في حياتها. كما أن “ نؤوم الضحى” تعني أنها لا تضطر للاستيقاظ باكرًا للعمل أو الرعي، مما يحافظ على نضارة بشرتها ونعومة ملمسها، إذ تعيش حياة مترفة بلا عناء.
وهناك مثال آخر على هذه الصفة جاء في الرسالة التي أرسلها المنذر بن ماء السماء إلى كسرى أنوشروان ، يصف فيها الجارية التي أهداها إليه. ومن ضمن الأوصاف التي ذكرت في بعض كتب الأدب:
“ إني بعثت للملك بجاريةٍ معتدلةِ الخلق، نقيةِ اللون والثغر، بيضاءَ قمراء، وُطَفَاءَ كَحْلاء، دعجاءَ حوراء، برجاءَ زجّاء، شماءَ قنواء، أسيلةَ الخد، شهيةَ المُقَبل، جَفْلَةَ الشعر، عظيمةَ الهامة، بعيدةَ مهوى القرط، ضخمةَ مشاش العضد والمعصم، سبطةَ البنان، لطيفةَ الكف، كاعبَ الثدي، عظيمةَ الصدر، خميصةَ الخصر، ضامرةَ البطن، مِكسَالَ الضحى، حَيِيّةً رزينةً، عفيفةً حصينةً، صناعَ اليدين، رهوةَ الصوتِ ساكنته، قد أحكمتها الأمور فالأدب، فرأيُها رأيُ أهل الشرف، تزين الولي وتشين العدو.” هذا المعنى ذاته يظهر في حديث أم زرع الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها ، حيث تمدح أم زرع زوجها قائلة:
“ أبو زرع وما أدراكن ما أبو زرع؟ أناسَ من حُليٍ أذني، وملأ من شحمٍ عضدي. عنده أقول فلا أُقبّح، وأشربُ فأتقمّح، وأرقدُ فأتصّبح.” أي أنها تنام مرتاحة حتى الصباح، بلا هم أو عناء.
يجدر بالذكر أن امرأ القيس كان ابن ملك، لذا كان غزله يعكس بيئته الأرستقراطية، لكنه لم يكن الوحيد في زمانه، فهناك أيضًا غزل الطبقات الأخرى الذي لا يقل جمالًا. الغزل في العصر الحديث: نزار قباني وتأثير الحقبة الناصرية مع تغير الزمن، تطور الشعر العاطفي ليحمل مضامين مختلفة. في العصر الحديث، كان نزار قباني من أبرز رموز الغزل، لكنه لم يكن بعيدًا عن التأثيرات السياسية في زمنه.
على سبيل المثال، يقول في إحدى قصائده: هل عندَكِ شكُ أنكِ عمري وحياتي؟
وبأنيَ من عينيكِ سرقتُ النار، وقمتُ بأخطرِ ثوراتي؟ هذا النوع من الغزل جاء متأثرًا بمناخ الثورات وحركات التحرر التي كانت سائدة آنذاك، حيث لعبت مصر بقيادة جمال عبد الناصر دورًا محوريًا في هذا السياق.
في تلك الحقبة، كان الفن والشعر يعكسان الخطاب السياسي السائد، حيث كانت الجماهير مشحونة بالعاطفة الثورية، مما جعل حتى الغزل يتأثر بهذا الزخم. السعودية اليوم: مركز جديد للأدب والفن اليوم، وبعد عقود من التحولات، تغير المشهد الثقافي العربي مجددًا، وأصبحت السعودية وجهة جديدة للفنانين والشعراء، مع ثقافة مختلفة وخط سياسي مستقر.
السعودية، بحكم كونها مهد اللغة العربية والشعر منذ الجاهلية ، تشهد اليوم نهضة أدبية وشعرية ملحوظة. ومن مظاهر هذا التطور، المسابقات الشعرية الحديثة مثل:
• “ المعلقة”
• “ شاعر الراية”
• “ شاعر القمة”
• “ شاعر الإبداع”
• فعالية “حنا لها” هذه الفعاليات أعادت إحياء روح التنافس الشعري، كما كان الحال في العصر الأموي بالشام والأندلس ، ولكن بوجه حديث لا يقل تألقًا.
هذا لا ينفي وجود غزل عابر للحقب التاريخية لا ينتهي بانقضاء عصره، وهنا نعود إلى نموذجنا الأول امرؤ القيس حيث يقول: حجازيةُ العينينِ مكّيّةُ الحشى
عراقيّةُ الأطرافِ روميّةُ الكَفَلْ ويقول الشاعر السعودي المعاصر مدغم أبو شيبة :
شمالية المُثنّاه، شرقية العينين
جنوبية الإحساس، نجدية الكبري.
الشعر متجدد مثل الحياة كما الأدب عمومًا، لا يمكن أن يبقى جامدًا. فما كان يثير الإعجاب في زمن امرئ القيس قد لا يكون مناسبًا اليوم، والعكس صحيح. تطور المجتمع يفرض على الشعراء تحديث أساليبهم ليناسبوا الذائقة المعاصرة، وهذا ما يجعل الشعر دائمًا فنًا حيًا متجددًا .
وفي السعودية، حيث يعتبر معظم الناس شعراء أو متذوقين حقيقيين، ستستمر حركة الإبداع الشعري ، لكنها ستكون متوافقة مع ثقافة وهوية هذا العصر .
إذا أردت أن تنظر إلى نموذج يعكس الشعر السعودي في بعض صوره ، يمكن أن تعود إلى قصائد الشاعر السعودي سفر الدغيلبي .
هنا بعض الأمثلة التي تعكس الشعر الصحراوي الأرستقراطي ، الذي يجمع بين الأصالة الصحراوية والحياة الفارهة ، حيث يقول:
هل معك قوة السلطان عبد الحميد؟
أو معك صولجان الحاكم الفيصلي؟
وكذلك يقول: يوم شفت المخاطر والغرابيل حوله
ما لي إلا أتجمّل فيهِ وأطلق سراحه.
يعكس هذا البيت العادات والتقاليد الاجتماعية التي تحرّم الحب خارج إطار الزواج، كما كان في الجاهلية قبل ظهور الإسلام. وهذا يتضح من بيت امرئ القيس حيث يقول: تجاوزتُ أحراسًا عليها ومعشرًا
عليّ حراصًا، لو يُسِرّون مقتلي.
وفي نفس القصيدة يقول سفر الدغيلبي :
إله مني سحابة مسك ما هيَ بتولة
يسعد الله مساه ويسعد الله صباحه وهذا يعيدنا إلى بيت امرئ القيس عن المسك المذكور أعلاه، مما يثبت أن السعودية هي الإمتداد الحقيقي للأدب العربي من العصر الجاهلي مرورًا بعصر صدر الإسلام والعصر الأموي والعباسي حتى عصرنا الحالي حتى مع وجود فترات تراجع للأدب الأصيل..