النهار

١٥ مارس-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ مارس-٢٠٢٥       19360

بقلك: د. طارق بن حزام

مسلسل شارع الأعشى، الذي يُعرض حاليًا على إحدى الفضائيات العربية، تدور أغلب أحداثه حول رسائل الحمام الزاجل أو اللقاءات على أسطح المنازل. دعونا نتوقف قليلًا عند هذه الغراميات التي صوّرها العمل. 
لا ننكر أن مثل هذه العلاقات العاطفية كانت موجودة في ذلك الزمن،لكنها كانت محدودة وغير مكشوفة،بعكس ما صوّره المخرج،حيث أصبحت غاية الفتاة آنذاك – بحسب المسلسل – الصعود إلى السطح لملاحقة الحب.

وهذه المبالغة الدرامية أضعفت متعة المشاهد وأخرجت القصة من الواقعية إلى التصوير الفج وغير الدقيق، مما قد يترك انطباعًا بأن المجتمع السعودي في تلك الحقبة كان يعيش فقط في أجواء الحب والغرام، متجاهلًا الجوانب الأخرى التي كانت تشكل نسيج الحياةالاجتماعي
مثل التكافل،والكرم والأمن، والعطاء والمحبة،والرحمة.

ففي الواقع،كانت الأسر في تلك الأحياء تُشبه العائلة الواحدة،وكان هناك نوع من الرقابة المجتمعية الإيجابية التي تساعد في ضبط السلوكيات وتقويم الانحرافات.

ملاحظة مهمة:

إذا كان المسلسل مقتبسًا من رواية غراميات شارع الأعشى،فإن حذف كلمة “غراميات” من عنوانه،مع الإبقاء على محوره ومضمونه العاطفي، قد يكون محاولة لجذب جمهور أوسع دون التصريح بمحتواه الرومانسي، وهو أمر قد يراه البعض تضليلًا أو تركيزًا مفرطًا على جانب معين من حياة المجتمع في ذلك الوقت.

ورغم أن الرواية – للكاتبة بدرية البشر – تناولت القيم الاجتماعية المهمة مثل التكاتف والتعاون بين الآباء والجيران،إلا أن صُنّاع المسلسل اختاروا إبراز الجانب الرومانسي والعلاقات العاطفية على حساب الجوانب الأخرى.

لو كان المسلسل أكثر توازنًا في طرحه، لربما قدّم صورة أكثر واقعية للحياة الاجتماعية آنذاك، بدلًا من التركيز على قصص الحب بشكل رئيسي. فعلى سبيل المثال،أين دور الآباء في توجيه الأبناء؟ وأين مظاهر التعاون بين الجيران واحترام الكبار والكرم الذي كان سمة بارزة في ذلك الزمن؟ إبراز هذه الجوانب كان سيمنح المشاهد تجربة أكثر صدقًا وتمثيلًا للواقع.

وربما يكون هذا التوجه جزءًا من سياسة بعض الأعمال الدرامية التي تميل إلى التركيز على الجانب العاطفي كعامل جذب،لكنها بذلك تهمّش عناصر أخرى كانت جزءًا أصيلًا من المجتمع. وقد يكون هذا التغيير متعمدًا لاستقطاب شريحة معينة من الجمهور، أو نتيجة رؤية إخراجية وتجارية تركز على عناصر التشويق والدراما العاطفية،التي تلقى رواجًا واسعًا في الأعمال التلفزيونية الحديثة.
لكن هذا النهج قد يُفقد القصة توازنها، حيث تبدو وكأنها تعيد تشكيل صورة المجتمع بطريقة أحادية،متجاهلة القيم الأصيلة التي ميّزت تلك الفترة.

لو تم التركيز على هذه الجوانب مع الاحتفاظ بعناصر الجذب والتشويق، لكان المسلسل أكثر اتزانًا وواقعية،وربما أكثر تأثيرًا في ترسيخ صورة دقيقة عن ذلك الزمن.

كذلك معالجة التطرف في الدراما:
من جانب آخر،عند تناول مسألة الجماعات المتطرفة في الدراما،يجب أن يكون الطرح متوازنًا، بحيث لا يُصور التشدد أو الانحراف الفكري وكأنه سمة عامة للمجتمع السعودي،بل يجب أن يُبرز أيضًا الجانب المضيء والوسطي، وهو التيار العام الذي كان ولا يزال راسخًا في الاعتدال.

كان من الممكن أن يظهر المسلسل كيف واجه المجتمع هذه الجماعات والأفكار المتشددة بالإنكار والتكاتف بين الأسرة والدولة والعلماء والمفكرين،الذين نشروا الفكر الوسطي المعتدل وساهموا في حماية المجتمع من الانحرافات الفكرية.

تجاهل هذا الجانب قد يعطي صورة نمطية غير مكتملة، بل وربما مشوهة، توحي بأن المجتمع كان عاجزًا عن التعامل مع هذه التحديات،بينما الواقع أن المملكة العربية السعودية كانت سبّاقة في محاربة التطرف ونشر الاعتدال،وكان المواطن هو رجل الأمن الأول الذي ساهم في تحقيق استقرار المجتمع وحفظ أمنه الفكري.

في الختام…
عندما تتبنى الدراما هذه الصورة المحدودة،فإنها تؤثر على الأجيال الجديدة،فتجعلهم يظنون أن الماضي لم يكن سوى مشاعر رومانسية فوق الأسطح وكأنه غارق في “غراميات السطوح” يقدّم صورة سطحية وغير دقيقة عن واقع ذلك الزمن،ويغفل العمق الثقافي والتاريخي والفكري الذي كان يميّز المجتمع السعودي والذي كان مليئًا بالإنجازات والتحديات والقيم التي صقلت هويته.

لو كانت الدراما أكثر توازنًا في طرحها، لأصبحت أداة قوية في تقديم صورة حقيقية عن الماضي، بدلًا من إعادة إنتاجه وفق رؤية عاطفية ضيقة لا تعكس الواقع بكامل أبعاده