بقلم-يحيى المحيريق
مع أنني لا اصنّف نفسي شاعر محاورة لقلّة حيلتي في ذلك، مارست شعر المحاورة في مرحلة محددة من حياتي في البدايات المبكّرة لتجربتي الشعريّة المتواضعة، وبعد ذلك ابتعدت عن المحاورة بكل ماتعنية الكلمة، لكن لدي ثقافة عامة في ما يخص معنى المحاورة، سبق أن قلت واكرر ذلك إن معنى المحاورة ليس لغزاً له مفاتيح حلّ متاحة في كل زمان ومكان، لكن المعنى احياناً قد يرمز الى حدث مهم لازالت اصداءه حية، وحتى في ما يخص الشاعر بكل تأكيد أن ذلك الحدث هو الذي ألهم الشاعر بذلك المعنى في حينه، ايضاً المعنى مسؤولية مشتركة بين طرفي المحاورة الفاتل والناقض، والمسؤولية الأولى تقع على الشاعر الذي يقوم بالبدع، حيث يجب أن تكون لديه مهارة في رسم الطريق التي تقود زميلة الى المعنى، والمسؤولية الثانية تقع على الشاعر الذي ينتظر منه الرد وتحليل المعنى، كما أن البدع أو الفتل الذي يتم فيه رسم المعنى يشبه إلى حدٍ كبير معادلات الافتراضات في الرياضيات، فإذا كانت الافتراضات غير دقيقة أصبح المعنى مجرّد طلاسم ليس الاّ.
هنا اتضحت لنا حقيقتين بارزتين، الأولى : أن الشاعر لولا الحدث لما خطر في باله المعنى البتة.
والثانية : أن الشاعر الآخر الذي تقع عليه مسؤولية نقض المعنى لولا الأصداء البارزة للحدث لما اهتدى الى فك رموز المعنى، مثال : حدثني قبل سنين طويلة في زيارته الأولى للمنطقة الشاعر والإعلامي المعروف الراحل / محمد بن شلاح رحمه الله ؛ أثناء مرافقتي له بتكليف من معالي الأمير / فهد بن خالد السديري أمير منطقة نجران الأسبق رحمه الله رحمة واسعة، حدثني عن لقاء تم بين كل من عملاق المحاورة الراحل / مطلق الثبيتي رحمه الله، والعملاق الراحل شليويح بن شلاح رحمه الله في محاورة قديمة أظنها كانت في عام ١٣٩٨ هـ الموافق عام ١٩٧٨ م في مكة المكرمة، يقول الثبيتي :
تجمّعتوا على رأس الجبرتي والولد مغرور
وبنيتوا مسجدٍ محدٍ يصلي في محاريبة
أنا دربي لحاله وأنت خلك باول المظهور
وديسك يالمطيري جعل ما تقطر محاليبة
رد شليويح :
تجمّعنا ولا أنت الريس اللي يفرض الدستور
فقيرٍ بالضحية منت لاقي ما تضحي به
انا خابرك لو نعطيك طاسة ماتخلي سور
حريمة ياثبيتي واترك اللي كنت ضاري به
.. بغض النظر عن الخوض في المعنى اكاد اجزم بأن الذين لم يعاصرون الحدث في حينه، ولم ينقل لهم الحدث الذي بنيت عليه المحاورة لن يستطيعون اليوم بعد هذه السنين الطويلة فك رموز المعنى حتى لو كانوا الجبرتي أو المسعودي أو من في مقامهما، لأن الحدث طواه الزمان ولايكاد يذكره أحد اليوم، وحتى الأشخاص الذين لديهم ذاكرة حديدية لن يستطيعون اليوم فك رموز المعنى الذي تطرّق الية الشاعر في تلك الليلة القديمة.
ايضاً قبل أكثر من ٢٠ عاماً تقريباً فيه محاورة جرت بين العملاق رشيد الزلامي رحمه الله والشاعر العلم زبن القاضي في جدة في تدشين منتديات شعراء الميدان، المنبر الذي أسسه الشاعر حسين الحسيكي والشاعر زبن القاضي وزملاء لهم. كنت من الحضور في تلك الليلة حيث رشحوني للعب مع الزلامي رحمه الله فقلت لهم حرفياً : والله لن اشارك فلو اربط لساني في أذني لن العب مع رشيد قال الله يرحمه بعدما سمع اعتذاري : يا المحيريق فيك الخير والبركة لكن يمكن لديك ظروف لانعلمها وغير هاوي اللعب الليلة، المهم قابله زبن وبدأ الزلامي حيث قال :
يا الله عسى حسنة البارح تكفّر ذنوب ( لايحضرني عجز البيت ) الشمس طلعت عليكم يا كبار القلوب والنار من عصر لحق الشمس دخانها.. كان هناك حدث طازة كما يقولون لازالت اخباره حديث الساعة ووظفه الزلامي في المعنى، الحدث ساعد الزلامي على صناعة المعنى، وساعد القاضي على فكّ رموز المعنى.