النهار
بقلم: د. جمالات عبد الرحيم
في عالم مليء بالمعلومات والأفكار، يبدو أن المجتمعات الفاشلة تجد نفسها محاصرة بين جموع من الأفراد الذين يتبنون آراء سطحية، بينما يُهمل العقول المفكرة. قد يبدو هذا الأمر غريبًا، لكن التحليل العميق للواقع الاجتماعي والسياسي يكشف عن عدة عوامل تساهم في زيادة عدد "الأحمق" مقابل كل "عقل راجح".
تتمثل إحدى المشكلات الأساسية في أن المجتمعات تعاني من نقص في الثقافة النقدية. فالتفكير النقدي يتطلب جهدًا، ويستدعي من الأفراد قدرة على تحليل المعلومات وتمييز الجيد من السيئ. وهنا تتدخل وسائل الإعلام والتكنولوجيا، حيث تتسارع المعلومات دون أن يكون هناك وقت كافٍ للتفكير أو التدقيق. في هذا السياق، تُفضل الآراء السطحية التي لا تتطلب جهداً، مما يعزز وجود الأفكار الخرقاء على حساب العقول الراجحة.
كما أن تكرار الجهل وعدم الوعي يعزز ثقافة التبسيط والسطحية. فالأغلبية غالبًا ما تتجه نحو ما هو أبسط وأسهل فهمًا، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة. هذه الظاهرة تُفضي إلى تعزيز الصوت العالي والمشهور، بينما تُطفئ أصوات المفكرين والكتاب الذين يسعون إلى توصيل أفكار عميقة ومعقدة.
وعلى الرغم من التحديات التي يواجهها الكتاب والمؤلفون، فإن جهودهم لا تذهب سدى. إن الفكرة السائدة أن "لا أحد يعرفهم" قد تكون صحيحة في بعض السياقات، لكن في قرارات الحياة اليومية، تلعب أفكارهم دورًا خفيًا. قد لا يكون تأثيرهم مرئيًا، لكن تلك الخواطر والأفكار التي زُرعت في العقول قد تؤتي ثمارها بمرور الوقت.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن من يتحكم في وسائل الإعلام وفي السرد العام غالبًا ما يتمكن من تشكيل الرأي العام. وبالتالي، فإن غالبية الناس يتجهون نحو تلك الأفكار السائدة، مهملين التحليل النقدي والقراء العميقين. وفي النهاية، يفوز الصوت العالي والسطحي على الصوت الحكيم والفاحص.
لذا، يجب أن نطرح سؤالاً ملحا كيف يمكن لمجتمعاتنا أن تبدأ في تقدير العقول الراجحة؟ ربما يبدأ الحل من التعليم، من تعزيز التفكير النقدي في المدارس والجامعات. يتعين على الأكاديميين والكتاب النشطين في الساحة العامة استخدام منصاتهم لتثقيف الجمهور حول أهمية الاستماع للعقل والابتعاد عن السطحية.
قد تعطي المجتمعات الفاشلة انطباعًا بأن الأفكار العميقة ليست لها قيمة، لكن الحقيقة هي أن التغيير يتطلب الوقت والجهد، وأن العقول الراجحة بحاجة إلى الإضاءة والاحتفاء لتكتسب مكانتها في المشهد الاجتماعي.
وعندما يغوص الكاتب أو المفكر في عمق التاريخ والعلوم والفلسفة و إكتشاف مهارات بشر تاريخية رمزا إلي الذكاء والبطولات بشكل جيد يجذب العقول قد يتعرض الكاتب إلي الأعداء الأكثر حقدا في المجتمعات الفاشلة. لأنهم يتبنون الأراء السطحية والأفكار المشوهة التي سقطت التعليم والسياسة والعلم وهدمت الحضارة.