النهار
بقلم-د.أحمد حساني
بعد مرور مائة عام على اتفاقية سايس بيكو 1916، ما زالت الخرائط الملونة ترسم من جديد حتى الآن، وكأن ألوان ومصائر العرب سكانا ومدنا وثقافة ومصالح خُطت علي رمل تطايرت به رياح السيطرة والأطماع.
أو أن أبسط مشكلات المنطقة وسكانها تحتاج إلى تغيير جوازات السفر، وحدودهم تحتاج أن تضيق، وربما إلي التهجير القسري!
خرائط الشرق الأوسط ترتسم من جديد بريشة النخب السياسية العالمية شبرا فشبر، قطعة فقطعة، مع كل خطوة لمقاتل، أو غارة لمقاتلة، أو وقع لصاروخ عابر للحدود إلي محطة هدفه أو عنوانه.
الساحة العالمية مشتعلة، والعالم يحارب على طريقة الجميع ضد الجميع، ولو تآلفت جماعات وتحالفت قوى كبرى، الحرب الآن هي على كل شئ، ومن أجل شئ واحد، هو حجز مقعد في نظام عالمي متعدد الأقطاب، يتشكل وفق استراتيجيات وأولويات معينة، لا يريد أحد أن تبدأ هذه المرحلة النهائية الدموية من تشكلاته من أرضه.
قضايا شائكة تشكل عالم المستقبل، ومقاضاتها هي ما ترون الآن من بارود ونار ودماء وأشلاء، من يسأل عن الحرب الشاملة فهذه مجرد بواكيرها، وهي حسب اسمها ستشمل جزءا مهما من جغرافيا الشرق الأوسط، وكأنه مقدر لهذه المنطقة منذ القدم أن تكون مركز تطاحن جيواستراتيجي عالمي، بحروب متصلة إقليمية أو أهلية أو ربما عالمية!
مخاض تاريخي في الإقليم الشرق أوسطي، معطوفا أو مشتبكا مع مخاض دولي في ظل تخبّطات ترامب، وخسارته للشركاء، وتهديداته ذات اليمين وذات الشمال، واشتباكه مع الدولة العميقة وحلفائه في أوروبا في أكثر القضايا التي يثيرها؛ خلافا لرأيها.
إذا كانت أمريكا تخطط لتهجير أهل غزة وهم متمسكون بسلاح مقاومتهم، فكيف سيكون سيناريو التهجير، لا قدر الله، لو كانت غزة خانعة مستسلمة بلا مقاومة؟!
من يتحجج بالطوفان وتداعياته، فليقرأ التاريخ جيدا، منذ تأسيس هذا الكيان السرطاني، وهو يذبح بلا رحمة، بالسلاح حينا، و بالحصار والتجويع حينا آخر.
التهجير ليس مخططًا جديدًا، بل هدف قديم يتكرر بصيغ مختلفة، والضعيف وحده من يُقتلع، أما من يقاوم، فله البقاء والجبناء لهم الفناء.
غزة بالفعل أصبحت محور الكون، وباتت الحديث اليومي لمعظم رؤساء المنطقة والعالم، غزة الصغيرة جدا بمساحتها وأراضيها، والتي لا تحتاج أكثر من أربعين دقيقة لتجوالها من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها، ولكنها كبيرة، كبيرة جدا، بكرامة أهلها وصبر نسائها وتضحيات رجالها، ذوي البأس الشديد.
غزة أصبحت صداعا مزمنا للجميع، وهو المطلوب، ويجب أن يستمر هذا الصداع، حتى يقف الجميع عند مسؤولياتهم وتصل رسالة ومظلومية وصرخة الشعب الفلسطيني للعالم، أننا شعب مثلنا مثل بقية شعوب الأرض، من حقه أن يعيش ويتحرر وينطلق، من حقه أن ينشئ دولته ويبرز هويته ويتحصل على حقوقه، كاملة...!
ترامب يبيع الأوهام، ونتنياهو يبحث عن طوق نجاة، لكن غزة ليست ورقة في صفقاتهم، ولا شعبها رهينة لمشاريعهم.
منطق الغطرسة الأمريكية الذي يتحدث به ترامب يكشف حقيقة اللعبة استعمار جديد بأدوات قديمة، قوامه القوة الغاشمة والمال السياسي، لكن المقاومة، رغم الحصار والدمار، تفرض على الأرض معادلة مختلفة إما نصرٌ أو شهادة.
أما الرهان الحقيقي، فلا يكون على التصريحات، بل على الثبات في الميدان، وامتلاك الإرادة السياسية التي تعلو فوق الحسابات الضيقة والمصالح الفردية، لتحقق حلم الاستقلال الحقيقي، وكما أثبتت الأيام، كلما اشتدت، اقترب الفرج.
فالمعادلة قد تغيرت بالفعل، وما كان يُعتقد سابقا أنه ثابت في السياسة العالمية أصبح اليوم متغيرا، الولايات المتحدة الأمريكية، رغم قوتها، لم تعد تملك نفس التأثير الذي كانت عليه في السابق، فالعالم اليوم يشهد تحولات كبرى، والشعوب التي كانت تُعامل كأدوات في لعبة القوى الكبرى أصبحت الآن تشكل ركيزة أساسية في رسم المستقبل.
والموقف المصري واضح وحاسم لا للتهجير، لا للتفريغ، ولا لمخططات تغيير الواقع الديموغرافي، لكن التحدي ليس في التصريحات، بل في الصمود أمام الضغوط والالتفاف على المخططات الخفية، فالرهان الحقيقي ليس فقط في الرفض، بل في القدرة على منعه واقعًا.
فتغيّر اللهجة السعودية تجاه الاعتداءات الصهيونية والأمريكية يعكس تحولا مهما في المشهد السياسي الإقليمي، لا شك أن للسعودية ثقلها السياسي والديني والاقتصادي، فالرفض القاطع للتصريحات الإسرائيلية بشأن تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه ويؤكد على مركزية القضية الفلسطينية لدى المملكة ويشدّد على أن السلام الدائم لن يتحقق إلا بقبول مبدأ التعايش السلمي عبر حل الدولتين، والذي يمكن أن يُترجم هذا الثقل إلى خطوات استراتيجية تُعيد ترتيب أولويات المنطقة، وتضع الأمة على طريق الاستقلال الفعلي بعيدا عن الهيمنة الغربية.