النهار

٢١ يناير-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ يناير-٢٠٢٥       24695

بقلم: د. غالب محمد طه

"الليلة بالليل نمشي شارع النيل... قهوة بي مزاج".. أصبحت هذه الكلمات من أشهر الأغاني السودانية التي لاقت رواجًا في العالم العربي، حيث يتغنى بها الفنانون في مناسبات متنوعة، ربما كنوع من المجاملة لجماهيرهم السودانية ؛ ولكن رغم شهرتها، يرى بعض المثقفين السودانيين أنها لا تعكس أصالة الغناء السوداني الذي يُميز ذائقتهم الفنية الفريدة. ورغم هذه الآراء المتباينة، تظل القهوة واحدة من تلك الرموز المشتركة التي تربط بين الثقافات المختلفة حول العالم.

ويقال إن القصة بدأت مع راعٍ إثيوبي يُدعى "كالدي"، الذي لاحظ أن قطيعه أصبح أكثر نشاطًا بعد تناول ثمار حمراء من شجرة غير معروفة؛ تلك الحبوب أصبحت فيما بعد جزءًا من سحر الصوفية في اليمن، حيث كانت تسهر بها لياليهم وتضيء تأملاتهم. ومن موانئ المخا اليمنية، انطلقت القهوة لتصل إلى إسطنبول، ومنها إلى البندقية، ليصبح مشروب القهوة رمزًا يتوق إليه الملوك والمفكرون في أوروبا.

لكن القهوة ليست مجرد مشروب عابر، بل هي جزء من تاريخ طويل يحمل حكمة وأصالة؛ وفي الأدب والفن، كانت القهوة مصدرًا دائمًا للإلهام. الشاعر الفلسطيني محمود درويش اعتبرها "أخت الوقت" التي تمنحه لحظات هادئة تلهمه الكتابة. كما كانت المقاهي الباريسية مراكز فكرية شهدت لقاءات الكتاب والفنانين، من جان بول سارتر إلى هيمنغواي، حيث كانت القهوة شريكًا في إنتاج أدب يلامس القلوب.

أما في السعودية، فالقهوة العربية تُعتبر جسرًا يربط بين الماضي والحاضر، وبين الأجيال المختلفة؛ فهي جزء من التقاليد الاجتماعية التي تعكس قيم الكرم والضيافة، وتُقدّم بحرص شديد تعبيرًا عن الاحترام والتقدير. فالقهوة ليست مجرد مشروب، بل هي هوية ثقافية تعزز من وحدة المجتمع السعودي وتُعتبر نقطة التقاء واحتفاء بالآخر. ففي عام 2022، تم تكريس "عام القهوة السعودية"، تأكيدًا على المكانة الخاصة التي تحظى بها القهوة في الحياة الاجتماعية السعودية؛ القهوة العربية التي تعد مكونًا ثقافيًا ذا رمزية كبيرة، تُقدّم في جميع المناسبات، من الجلسات العائلية البسيطة إلى الاحتفالات الكبرى، وتظل رمزًا للتواصل والضيافة.

وتعتبر تقليد اجتماعي يربط الأجيال ويعزز من الروابط العائلية والمجتمعية؛ تُقدّم القهوة السعودية بعناية وحب، حيث يتم تحضيرها بحرفية وتقديمها في جلسات حميمية تعبر عن الاحترام والتقدير. في كل فنجان قهوة، تجد حديثًا يعمق العلاقات ويشعل الذكريات، مما يجعلها أكثر من مجرد مشروب، بل رمزًا للكرم والتواصل.

وفي تركيا، تعد القهوة وسيلة لقراءة الطالع، بينما في إيطاليا يتم تحضير الإسبريسو بسرعة لتمنحك الطاقة لبداية يومك. أما في العالم العربي، فالقهوة تأخذ طابعًا خاصًا في كل دولة؛ في مصر، على سبيل المثال، تعج المقاهي بالأصدقاء والعائلات الذين يتبادلون الأحاديث حول فناجين القهوة في جو حيوي. وفي لبنان، تُعتبر القهوة جزءًا من طقوس الضيافة، بينما في تونس تُقدّم في المناسبات مع الحلوى التقليدية.

في السودان، يتم تحضير القهوة بتفاصيل غنية، حيث يصحب تحميص حبوب البن أصوات دقها في المدقة، ويملأ الجو عبير بخور الجاوي، مما يجعل فنجان القهوة أكثر من مجرد مشروب، بل لحظة تُحيي الذكريات وتجمع الأحبة في جلسات حميمية

وعندما نتحدث عن القهوة، لا بد أن نتذكر أولئك الذين يزرعون حبوبها في أماكن نائية من إفريقيا وأمريكا الجنوبية، حيث يواجهون تحديات وظروفًا صعبة. فكيف نقدر القهوة ونحن نعلم أن وراء كل فنجان من هذا المشروب هناك سنوات من العمل الشاق والتضحية؟ بالنسبة للبعض، قد تكون القهوة مجرد مشروب، لكن بالنسبة للآخرين، هي لحظة من الهدوء الذي نبحث عنه وسط ضغوط الحياة  

وأختم بهذه المقولة: "يد واحدة لا تصفق، لكنها تغريك بفنجان من القهوة. قالوا القهوة أو من تهوى، قلت القهوة ممن أهوى."..وبالله التوفيق.