النهار

١٥ يناير-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ يناير-٢٠٢٥       24640

بقلم: د. غالب محمد طه
هل يجرؤ القلم على الكتابة عنه وإليه؟ هل اغتسلت الأحرف وتعطرت بالمسك؟ وهل نجرؤ على الاقتراب منه والحديث إليه؟ دعونا نقترب منه لنتعرف سريعًا على هذا الزاهد العبد الناسك الأبواب. 
مهلاً، فلنعد إلى البداية، لعلنا نتمكن من استيعاب تلك العبقرية الإسلامية الفذّة، دعونا أولًا نسافر إلى المدينة المنورة، تحديدًا للعام 61هـ، ونصيخ السمع في عرصاتها: ونكاد نسمع تساؤل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب:
"ليت شعري، من ذو الشجة من ولدي الذي يملؤها عدلاً، كما ملئت جورًا"
"تزوجها، والله ليوشكن أن تأتي بفارس يسود العرب؟"
فأتت بعمر بن عبد العزيز، فكان أشجّ بني مروان. 
لله درك يا ابن الخطاب، أي فراسة تلك! وأي نظرة شاملة للأمور لديك! كيف لا وأنت رفيف المصطفى صلى الله عليه وسلم في الأرض وتحتها، فطبيعي أن تكون رؤيتك للأشياء أقرب للنبوة
هل تعلم يا أمير المؤمنين أن نبوءتك قد تحققت؟ وأتى من ملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جورًا؟ وحريٌّ بحفيدك يا عمر أن يملأ الأرض عدلاً. 
لقد أتى  عمر بن عبد العزيز  ليقود الأمة بتواضع، بعيدًا عن زخارف الدنيا، تولى الخلافة بين عامي 99-101 هـ، ورغم قصر فترة حكمه، ترك أثرًا خالدًا بالإصلاح والتجديد، كان نموذجًا للإيمان الراسخ، التواضع، والعدل، جامعًا بين الخوف من الله والعمل للآخر
أرسى العدالة بإعادة المظالم لأصحابها، ورفض البذخ والتعالي، ساعيًا لإصلاح أحوال الأمة وفق قيم الإسلام، ليصبح رمزًا للقيادة الراشدة والإصلاح النبوي
سيرتك يا عمر تبرز كإشارة قوية على قدرة الإسلام على قيادة الحياة السياسية والتشريعية وفقًا لمبادئه الأساسية، سيرتك نموذجًا عمليًا لمن يسعى للإصلاح وتحقيق العدالة في ظل الإيمان بالله ورسوله. 
ما أحوجنا اليوم إليك يا عمر! هل تعلم أننا الآن في الشهر السابع من السنة الهجرية، شهر التعظيم؟ إنه نفس الشهر الذي انتقلت فيه إلى جوار ربك، اليوم، تتجدد حاجتنا لاستلهام سيرتك، لنتعلم كيف نتبنى قيم العدل والتواضع والخوف من الله كما كنت
العدل لم يكن مجرد شعار عندك، بل مسؤولية يومية، دعنا يا عمر نهمس لبعضنا البعض ولنجعل الحق بوصلتنا دائمًا، ولنتعلم منك أن الإنصاف هو أساس بناء الثقة بين الناس. 
علمتنا أن القوة الحقيقية تكمن في التواضع، لا في المظاهر أو السلطة، أطمئن يا عمر، سنكون قريبين من الناس، متحررين من زخرف الدنيا، فقد عرفنا منك أن الحياة ليست بما نملك، بل بما نقدم، فلنجعل العطاء هو منهجنا، ونعمل على بناء علاقات قائمة على الإخلاص والمودة. 
أما زهدك، فهو الحرية الحقيقية، لن تخدعنا المظاهر، وسنركز على جوهر أنفسنا، على السلام الداخلي والقناعة، لتكون كل لحظة في حياتنا مرآة لهذه القيم العظيمة، ولتكن أفعالنا رسائل سامية تعيد للعالم معنى العدل، وتفتح أبواب الرحمة والإنسانية. 
علمتنا يا أمير المؤمنين أن الإخلاص لا يحتاج إلى جمهور، فهو نور داخلي يقودنا لتحقيق أعمال تدوم. 
عذرًا يا حفيد الفاروق، اسمح لنا أن نغادر مؤقتًا مجلسك ومجالستك، فقد امتلأت الروح بالسكينة والقلوب بالمحبة، والأفئدة بالشجو، وبين جوانحنا تلك القيم الفاروقية، وداعًا أيها التقي النقي، وداعًا خامس الخلفاء الراشدين، واعذرنا إن لم نوفيك بعض حقك علينا، فقد حاولنا أن نستعيد بعض ألقك ونعبئ أنفاسنا بعاطر سيرتك.
وها هو رجب يسرع الخطى ويغذيها ليسلمها لشعبان، لنستقبل رمضان مرددين: اللهم بلغنا رمضان
ولنختم بقول خير البشر صلى الله عليه وسلم: "من كانت الدنيا همّه، فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيّته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة".. وبالله التوفيق.