النهار
بقلم - د. غالب محمد طه
قال مارشال ماكلوهان: "الوسيلة هي الرسالة". فماذا لو كان عالم السوشيال ميديا هو الوسيلة التي تبني لنا رسائلنا الثقافية والفكرية؟ سؤال إذا تأملنا فيه سيفتح لنا مزيدًا من التساؤلات. قد تبدو للوهلة الأولى أسئلة اعتيادية، ولكن في جوهرها، الإجابة عليها بعمق تفتح لنا المزيد من الأسئلة المقلقة على مستقبل عقول شبابنا. فالتأثيرات الشبكات الاجتماعية على ثقافة الشباب وهويتهم تفرض عليهم واقعًا فكريًا مختلفًا عما كان متاحًا قبل سنوات قليلة. فهل منهل الثقافة متاح لهم فقط عبر هذه الوسائل؟ وهل ستمنحهم هوية حقيقية، أم تفرض عليهم تبني هويات مصطنعة تفرضها هذه الشبكات؟
لقد أصبح التواصل الرقمي جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية. لم تعد الهواتف الذكية مجرد أدوات للاتصال، بل أصبحت منصات متعددة لمشاركة الأفكار، الآراء، والهوية الشخصية. من خلال منصات مثل إنستجرام، وتويتر، وتيك توك، أصبح العالم بأسره في متناول أيدينا. ولكن، ماذا يحدث عندما يتحول هذا الفضاء الرقمي إلى مؤثر رئيسي في تشكيل ثقافة وهوية الشباب؟
إذا كنت شابًا اليوم، فإجابتك على سؤال "من أنا؟" قد تكون مختلفة تمامًا عن الإجابة التي كانت ستكون قبل عقد من الزمن. نحن نعيش في زمن تُعتبر فيه الشبكات الاجتماعية ليس فقط وسيلة للتواصل، بل مساحات واسعة يعرض فيها كل شخص صورته المثالية، سواء كانت حقيقية أم معدلة. أصبحنا نرى في السوشيال ميديا ليس مجرد فواصل بين الأشخاص، بل أشبه بمرآة عملاقة، تعكس ليس فقط ما نريد أن نكون، بل ما "يجب" أن نكون وفق معايير هذه المنصات.
لا يمكننا الحديث عن ثقافة الشباب اليوم دون التطرق إلى مفهوم "التريندات". فكرة أن ما هو شائع اليوم قد يختفي غدًا، وأن الاهتمامات والمواضيع تتحول بسرعة مذهلة عبر منصات السوشيال ميديا، أصبحت سمة العصر. محتوى الفيديو القصير، التحديات، والنكات المنتشرة، كلها أشياء تستهلكها الأجيال الجديدة بنهم، وتحدد معالم اهتماماتهم. لكن، هل أصبحنا أسرى لهذه "التريندات"؟ هل أصبح من الصعب التفكير النقدي والتعمق في المواضيع بعيدًا عن تلك السرعة؟
بعيدًا عن الترفيه والتريندات، تكمن التأثيرات الأكثر عمقًا للسوشيال ميديا في الطريقة التي قد تساهم بها في تقليص تحصيل الشباب للثقافة الأساسية. ومع تزايد انتشار المحتوى السطحي والمعلومات المقتضبة، يجد الشباب أنفسهم بعيدين عن التحصيل المعرفي العميق الذي يساهم في بناء تفكير نقدي وتوسيع الفهم الثقافي.
وأصبح العديد من الشباب يعتمدون بشكل متزايد على السوشيال ميديا كمصدر رئيسي لتشكيل رؤاهم الثقافية والفكرية. ومع أن هذه الشبكات تقدم مساحة لتبادل الأفكار والآراء، فإنها غالبًا ما تشجع على استهلاك محتوى سطحي ومختصر. هذا التحول قد يُعزل الشباب عن اكتساب المعرفة الأساسية والقدرة على التفكير النقدي، ما يجعلهم يفقدون الاتصال مع المعلومات العميقة التي تنمي فهمهم الثقافي والفكري.
ومع ذلك، يجب ألا نغفل أن السوشيال ميديا توفر أيضًا فرصًا كبيرة للتعلم والتوسع الفكري، حيث يتيح الوصول السهل إلى معلومات متنوعة ووجهات نظر جديدة. لكن هذه الفرص قد تُستغل بشكل غير فعّال إذا لم يتم تطوير الوعي الرقمي اللازم لتقييم المصادر واختيار المواضيع التي تعزز الفكر النقدي. في غياب هذا الوعي، يمكن أن تصبح هذه المنصات مكانًا لإعادة نشر معلومات خاطئة أو تعزيز الانقسامات الفكرية، مما يُعرّض الشباب لمخاطر الانعزال عن الواقع المعرفي العميق.
الجواب يكمن في كيفية توجيه استخدام السوشيال ميديا بشكل إيجابي، إذ ينبغي أن يتبنى الشباب نهجًا واعيًا يوازن بين الاستفادة من هذه المنصات وبين الحفاظ على العمق الثقافي والفكري الذي يحتاجونه ليكونوا قادرين على الإسهام الفعّال في بناء أنفسهم ومجتمعاتهم.
وهذا يتطلب تطوير مهارات الوعي الرقمي التي تمكنهم من تقييم المعلومات والتمييز بين المحتوى المفيد والسطحي. في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل سيتمكن الجيل القادم من الحفاظ على هويته الثقافية والفكرية المستقلة في ظل الفوضى التي تخلقها المعلومات السطحية والمحتوى السريع؟ وهل يمكن للشباب الحفاظ على تفردهم الفكري في هذا العصر الذي يزدحم بالصور والكلمات؟ ربما يكون الحل في إيجاد توازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على الهوية الثقافية. من دون هذا التوازن، قد يُحرم الشباب من التعبير عن أنفسهم بحرية، ويصبحون جزءًا من "ثقافة عالمية" دون أن يتمكنوا من الاحتفاظ بهويتهم المحلية
البحث عن هذا التوازن ليس خيارًا، بل هو تحدٍّ حقيقي للأجيال القادمة لكي يحافظوا على أصواتهم في عالم أصبح يتغير علي مدار.. وبالله التوفيق.