صفوت محمود

٢٤ ديسمبر-٢٠٢٤

الكاتب : صفوت محمود
التاريخ: ٢٤ ديسمبر-٢٠٢٤       37345

بقلم / صفوت محمود
في مساء الثلاثاء التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي، وبينما أنا مشغول في مكتبي بالرياض، تلقيت مكالمة من الإدارة العليا للشركة بالاستعداد للسفر إلى المدينة المنورة، للإشراف على أحد المشروعات هناك، وسريعاً لململت أشيائي وعدت لمنزلي لترتيب أغراضي استعداداً للسفر.
كنت لا أدري المدة التي سأقضيها في (طيبة الطيبة)، فعادة سفريات العمل لا تطول، ثلاثة أيام أو أسبوع، كنت سعيداً جداً لدرجة أنني نسيت أشياء أساسية لابد من اصطحابها في السفر.
وصلت إلى الفندق، الذي يبعد عن الحرم النبوي الشريف عدة أمتار قبيل صلاة الفجر، وعلى الفور توجهت إلى المسجد النبوي الشريف لأداء صلاة الفجر.
وفي أول أيام العمل اكتشفت أنني ليس لي دور فاعل في إدارة المشروع، وفريق العمل من شباب الشركة المتواجد يكفي وزيادة، وكان إصرار المدير العام على سفري للمدينة المنورة من باب التكريم لي، فقد مرت سنوات عديدة ولم أحصل على إجازة فعلية ولم أطلبها، جزاه الله خير الجزاء، ورغم تعدد زيارتي للمدينة المنورة عقب أداء العمرة إلا أن زيارتي لها في هذه المرة تختلف.
كنت أجلس في المسجد الشريف على بُعد أمتار قليلة من جسده الطاهر صلى الله عليه، حيث قبره الشريف وقبرا صاحبيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وعن صحابته أجمعين.
كانت سيرته العطرة تمر أمام ناظري، أكاد أرى أحداثها واستشعرها، وأنا في دنيا غير الدنيا، لا أصدق أنني على بُعد خطوات وفي حضرة الحبيب.
كنت حينما أتلو سورة (التحريم) تفيض العيون دمعاً وشوقاً لرؤيته صلى الله عليه وسلم، ما أرق قلبه وما أرحمه بزوجاته أمهات المؤمنين رضوان الله عليهم، كانت الذاكرة تسترجع أنوار سيرته العطرة، معاناته وكمية الأذى التي نالها من عشيرته وأقرب الأقربين إليه في سبيل تبليغ الرسالة الإلهية، حزنه وتطيب الله عز وجل لخاطره، خُلقه العظيم.
ولعل من اكتمال الإيمان أن نفتخر برسولنا الكريم وأن يكون أحب إلينا من أنفسنا ومن آبائنا وأمهاتنا وأولادنا، إنه خير البشر وخير ولد آدم وخير خلق الله عز وجل.
ولا أتصور أيضاً اكتمال الإيمان بدون دراسة السيرة النبوية الشريفة، وهو أمر ليس بالعسير خاصة في ظل التقدم التقني الذي يشهده العالم، حيث أصبحت المعلومة متاحة ودون تكلفة مالية.
وعند الاطلاع على سيرته العطرة سيكتمل الإيمان ويزداد، ستعرف المعنى الحقيقي لكلام الله عز وجل حين امتدح رسوله وأثنى عليه (وإن لك لأجراً غير ممنون* وإنك لعلى خلق عظيم).
أما عن الجانب المادي والواقعي الذي لمسته، فقد كنت أتأمل حركات الصيانة والنظافة في المسجد الشريف عقب كل صلاة، ومئات الألاف من لترات مياه زمزم الطاهرة المنقولة من مكة إلى المدينة، حجم التوسعات الحديثة في الحرم النبوي الشريف، حجم العمالة المتواجدة، حجم الرواتب التي تدفعها الحكومة السعودية كل شهر، أنظمة الإضاءة في المسجد وأنظمة الصوت، أنظمة التبريد والتدفئة، النظام الأمني وإدارة الحشود، مئات الألاف، بل الملايين الذين يتوافدون يومياً إلى المسجد في سلاسة وعلى مدار الساعة.
 جهود عظيمة وجبارة تبذلها الحكومة السعودية لتوفير أقصى درجات الراحة والرفاعية للزوار والمعتمرين، في وقت لا تستطيع فيه بعض الدول تأمين مباراة كرة قدم يحضرها بضع عشرات من ألاف الجماهير.
اليوم هو اليوم السادس والخمسون لي في مدينة رسول الله، وستة وخمسون يوماً من السكينة والطمأنينة في حضرته صلى الله عليه وسلم، كل شارع أخطوه تمنيت أن تصدف أن تلامس قدمي موضعاً لامس قدماه الشريفتان، والآن كل ما يشغلني كيف لي أن أفارق وأن ابتعد، فقد اقترب الرحيل.
وأخيراً.. يأتي صوتاً بداخلي يقول لي إن المسافات ليست مقياساً للقرب أو البُعد، كلنا يمكننا أن نكون في (حضرة الحبيب) بكثرة الصلاة عليه، والاقتداء به والاهتداء بهديه وبإحياء سنته والتأمل في سيرته العطرة، إلى أن نلقاه في جنات الخُلد.
اللهم صلي على محمد وعلى آل بيته الأطهار وصحابته الأبرار وسلم يا ربنا تسليماً كثيراً، وجزاه الله خيراً وأحسن إليه من أتاح لي البقاء كل هذه الفترة في طيبة الطيبة وفي حضرة الحبيب.