الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ نوفمبر-٢٠٢٤       22000

بقلم : سعد بن سعيد الرفاعي

منذ أيام قليلة حل الصديق الشاعر  حسن الزهراني ضيفا على الشريك الأدبي بينبع ،وما كنت أحسب أن يأتي الأستاذ  حسن الزهراني دون أن ألتقيه لكن ظروفا حالت بيني وبينه على رأسها الأنفلونزا التي داهمتني ولم تمكنني من حضور أمسيته ،وزاد ألمي بسؤاله عني في الأمسية ،وتحت نوبات سعالي وحرارتي أخذت أستعيد ذكرياتي مع هذا الحسن الحبيب الذي بدأت معرفتي به عندما دعيت لأمسية شعرية بمناسبة القدس عاصمة الثقافة عام 1429 هـ إن لم تخني الذاكرة بدعوة من رئيس نادي الباحة حينها الأستاذ أحمد المساعد ،ليلتها التقت أرواحنا قبل أجسادنا وتصافحت قلوبنا قبل أيادينا وكان حسن خلوقا مهذبا ودودا مرهفا ،ليلتها حدثني المساعد بعد الأمسية ونحن عائدون من العقيق إلى الباحة والسيارة تنتهب الطريق تحت زخات المطر بأن حسن الزهراني أحق منه برئاسة النادي ؛فهو أكثر شاعرية وأقوى حضورا ،وأعلى تأهيلا ..لكنه طلب من حسن أن يترك له مقعد الرئيس لتفرغه فما كان من الحسن الجميل إلا النزول عند رغبته برضا نفس  وهو موقف يستحق الإكبار ، ليلتها أهداني حسن عددا من دوواينه منها ( أوصاب السحاب ) الذي نشرت عنه قراءة في ملحق الأربعاءبصحيفة المدينة ،بعدها توالت الصلات بيننا ،وتعمقت عندما التقينا معا في مطار جدة ،حيث قدمت من ينبع وقدم هو من الباحة ؛لنواصل رحلتنا إلى نجران لإحياء أمسية بدعوة من ناديها ،فقضينا ثلاثة أيام جميلة بجمال روحه، أنيسة بأنس صحبته ،ثم عدنا إلى مطار جدة لنفترق منه إلى ينبع والباحة ،واصلت رحلتي وما أن هبطت الطائرة وفتحت جوالي حتى وجدت أبيت الحسن الزهراني :
من كل نبض في فؤادي ينبع              

هذا الذي صاغته نبلا( ينبع )
سعد الرفاعي أيها الشهم الذي             

من كل أبراج الفضائل يطلع
كان اللقاء فيالبهجة خافقي             

   ورحلت بي عني وروحي تدمع
فأجبته قائلا :
من كل سحر في (الشواطئ) ممتع        

     من كل زهر في (النخيل) يضوع
من كل طهر في النفوس سما بها          

من كل صنع في (الصناعة) يصنع
يهفو إليك الحب قـلبا نبضه                    (حسن) فعينك بالسعادة تلمع
وتعود روحك بالهناء وصنوها            

   روحي فروحك بالمحبة تجمع
بعدها استمرت الإخوانيات والمشاكسات بيننا ، ومن ذلك أنه قرأ  مقالة  للكاتب أحمد العرفج يثني فيها على روحي الرياضية عندما كتبت قصيدة في فوز الاتحاد على الفريق الكوري وحصوله على كأس آسيا رغم ميولي للأهلي- وكان ذلك أشبه بالمستحيل - ،فلما قرأ حسن المقالة التي ضمنها العرفح بعض أبياتي أرسل لي قائلا :
قل للرفاعي صادق الأبيات               

ومجنح الأفكار والغايات
أتشجع الأهلي وتمدح خصمه ؟          

هي زلة من أكبر الزلات
فأجبته قائلا :
قل للجميل بباحة الخيرات             

ومطرز الأشعار كالآيات
إني رأيت المستحيل محطما          

فطفقت أهتف للجمال الآتي
واستمرت الصلة بيننا مستمرة متنامية ،فقد دعاني للملتقى الشعري بنادي الباحة الذي مضى يقوده من نجاح إلى نجاح ومن تميز إلى آخر ، فمن ملتقى للقصة إلى آخر للرواية ...واستمرت اللقاءات وإحياء الأماسي الشعرية المشتركة عبر المناشط الأدبية في سوق عكاظ والجنادرية وملتقيات الأندية الأدبية ولم يزدنا التواصل إلا محبة ،والقرب إلا ألفة ،وكم من مرة فاجأ صباحي بأبيات منه ، وكم بادرته بأبيات ،ومن ذلك قصيدة أهديتها له ذات صباح :
ألا أيها الشاعر البحتري  
أيا هاتفا
قد جرى فارتوى
إذ روى البحر بحرفِ
ثري.. ثري
أياشاعر الباحة
بل شاعرا للوطن
أدر مهجة الفرح والصبح واللحن
أشهى لحن
أدر للمعاني ..غناء الثواني
تعيدك  حسّان ..لكن
بروح يغرد فيها (حسن)
ومما يحضرني دعوته للصديق الدكتور فهد الشريف لإحياء أمسية بالباحة يديرها الأستاذ جمعان الكرت ،فأرسلت لبحتري الباحة أبيات دعابة  أنشدها في ختام الأمسية، قلت فيها :
قل (للشريف ) تحدثا بلساني                      والشعر منك بروعة (الزهراني )
لو قلت إن نسيمة بحرية                        

  للتو قد هرعت إلى (رغدان )
لوقفت تتسأل حيرة وتعجبا                      

لكن (كرتي ) من لدن (جمعان )
هو أخضر كالروح حين ترنمت                  بالحب والأشواق والتحنان
وذات يوم طلبت  منه تزويدي ببريد النادي لإرسال مسودة كتابي عليه ،فأجاب :
                                   يانابضا في فؤادي
                                   هذا بريد النادي
 
  فعلقت عليه:               يافخر شدو بلادي
                              ألجمت شكر مدادي
وعندما تأخرت طباعة الكتاب الذي كنت قد أسميته
(وصل الخطاب ) قبل العدول عن ذلك إلى (عين ثالثة ) أرسلت له قائلا:
                            

نقي الإهاب ..رفيع الجناب                           

أما من جواب لوصل الخطاب
                               

فطول الغياب ..لنص الكتاب
                              

وشى بالعتاب ..لأوفى الصحاب
 ولم أكن أعلم أنه أحال الكتاب إلى محكمين أعتز كثيرا بما دونوه حياله ،فأرسل لي معتذرا ب(وصول ) سابقة، كوصل الخطاب :
                                

أخا الإبداع لاتعجل علينا  
                               

فإنا في الطباعة غارقينا
                               

وسوف تسر بالبشرى قريبا                           

إذا طبعت (وصول ) السابقينا
ومن ذكرياتنا الجميلة عندما كان حسن مشاركا في مهرجان الشارقة الشعري ،وكنت أقضي إجازة صحبة أسرتي في دبي  ،فلما علمت بأصبوحته ،استأجرت سيارة وصحبت ابني عمر لحضور أصبوحته الشعرية ،يومها قلت له :
الحكايا للحكايا مخضبة
والمعاني للمعاني معربة
ففؤاد الحسن يهفو تائقا
لصباح قدم الحسن هبة
فإذا بالحسن يجري لهفة
يحضن الصبح بكف راغبة
أودع القلب بها من نبضه
ماكفى للبوح حتى يجذبه
ضحك الصبح وولى قائلا:
احذر البوح ..دروبي متعبة
ومن اللحظات الجميلة مشاركة  أخي حسن فرحة الاحتفاء بابنه البكر محمد في قاعة قصر المعالي بالباحة  ،فسعدت بمشاركته وقلت له  لحظة وصولي القاعة:
يامعالي الحب في (قصر المعالي)
ياهناء السعد في أحلى الليالي
جئتك اليوم سرورا عابقا
عطر (رضوى) ينتشي للإحتفال
تحتفي اليوم ببكر قلبه
يرسم الآمال ..ياصنو الجمال
فهنيئا..ياصديقي فرحة
وهنيئا لابننا زين الرجال
وكم حرصت على زيارة أخي حسن لمدينتي ينبع ،فدعوته عندما نظمت زيارة لعدد من الأدباء عام 1442هـ ووافق مشكورا وفي يوم السفر المقرر لينبع توفي قريب لمرافقه في الرحلة الأستاذ عبد الله الغامدي ،فاضطر للاعتذار واعدا بزيارة أخرى بإذن الله  ، ومما أحفظه لبحتري الباحة موافقته على المشاركة تطوعا  في لجنة تحكيم مسابقة ينبع الشعرية التي شارفت مشاركات الشعراء العرب بها على مائة نص شعري ،وكان مقررا حضوره لينبع ليلة تدشين الكتاب وتكريم الفائزين ،ولكن مشاركة وطنية للحرس الوطني حالت دون تحقق الزيارة ،واليوم أتت الزيارة لتحول الظروف بيننا ،فلعل في هذه الاستعادات الجميلة للحظات ومواقف مع أخي الشاعر حسن الزهراني  - وهي قليل من كثير - مايخفف وطء ذلك ،على أمل لقاء قادم بحول الله في مناسبات وأوقات أجمل  
خاتمة:
قرأت بروحه لغة اعتذار                      

وخفق محبة كالنهر جار  
هي الأقدار تجمعنا مسارا                    

وكم ينأى مسار عن مسار!

   د. سعد بن سعيد الرفاعي