الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ اكتوبر-٢٠٢٤       20075

بقلم | د. غالب محمد طه
من الوحي إلى الفصل: المعلم السعودي رمز الإلهام في اليوم العالمي للمعلم
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَتَانِي جِبْرِيلُ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ قَالَ اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ". في تلك اللحظات التي كانت مليئة بالقلق، تم تكرار الكلمات ثلاث مرات. إنها تعكس شعورًا بالضعف، لكنها تظهر في الوقت نفسه أهمية التعليم. فقد جاء جبريل ليذكّر النبي بأن المعرفة هي القوة. كانت تلك اللحظة بداية حوار بين السماء والأرض، حيث يتجلى دور التعليم في إلهامنا وفهمنا لخلق الله.
في الخامس من أكتوبر، يحتفل العالم باليوم العالمي للمعلم، وتحت شعار "رسول العلم شكرًا"، تنطلق الاحتفالات في المدارس والجامعات، هذه المناسبة لا تركز فقط على تقديم الشكر، بل أيضًا على الدور المهم الذي يلعبه المعلمون في تشكيل مستقبل الأجيال والأوطان ، وفقًا لتوجيهات اليونسكو، المعلمون ليسوا مجرد ناقلي معلومات، بل هم قادة ومؤثرون يدفعون الطلاب إلى التفكير والابتكار.
احتفالات هذا العام تركز على التحديات التي تواجه المعلمين، وتظهر أهمية الحوار حول دورهم في التعليم، الموضوع هو "تقدير أصوات المعلمين: نحو إبرام عقد اجتماعي جديد للتعليم"، مما يسلط الضوء على ضرورة الاستماع لمشاكلهم ومحاولة معالجتها.
في اليوم العالمي للمعلم، نقف جميعًا لنقدم الشكر والتقدير لهؤلاء الذين يشكلون حياة الأجيال ويصنعون أممًا بعلمهم وتفانيهم، ليس المعلم مجرد ناقل للمعرفة أو موجه أكاديمي فحسب، بل هو بوصلة تُرشد الطلاب نحو فهم الحياة وتحقيق طموحاتهم، نشاهدهم في فجر كل يوم يستقبلون الطلاب بابتسامته ملؤها الحب والاهتمام، ويبدون بدون كلل أو ملل في تشكيل العقول وبناء القيم، ويؤثرون في مسارات الأجيال بشكلٍ يتعدى حدود الكتاب والمنهج.
تأملوا للحظة في المشهد الذي يتكرر يوميًا في الفصول الدراسية: يقف المعلم أمام صفٍ من الطلاب الذين يتطلعون بشغف إلى المعرفة. في هذه اللحظات، يصبح المعلم رمزًا للإلهام، حيث يحفز الحماسة في قلوب طلابه ويغرس فيهم القيم الأساسية. يتجاوز دوره مجرد نقل المعلومات ليصبح مرشدًا يُساعد الطلاب على التفكير النقدي واتخاذ القرارات. تظهر هذه العلاقة من خلال اللحظات التي تتشكل فيها صداقات قائمة على الاحترام والتفاعل، من الضحكات والمناقشات إلى الدروس التي تعزز قدرتهم على مواجهة التحديات. تُعتبر هذه التجارب بمثابة حجر الزاوية لتشكيل هويات الأجيال القادمة، مما يعكس الأثر العميق للمعلم في الحياة. إن المعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو مصدر للإلهام الذي يُضيء دروب الأمل والطموح. فهل هناك أسمى من هذه الرسالة الإنسانية التي تتجاوز الفصول الدراسية لتصل إلى قلوبنا جميعًا؟
في المملكة العربية السعودية، يمثل المعلمون قيمًا مهمة تتماشى مع رؤية المملكة 2030. هم ليسوا فقط معلمين، بل هم قادة يساعدون في بناء مجتمع يركز على التفكير النقدي والابتكار. التعليم هنا ليس مجرد معلومات تُلقن، بل هو وسيلة لبناء جيل يحمل أحلامًا وطموحات للمستقبل. من خلال جهودهم، يتم غرس شعور بالفخر والانتماء في نفوس الطلاب.
يلعب المعلم دورًا حاسمًا في تحويل التعليم إلى وسيلة للتغيير الاجتماعي والاقتصادي. يعكس التزام المملكة بتحسين جودة التعليم مكانتها في الساحة العالمية، ومن خلال دعم المعلمين، تُبنى مجتمع يعتمد على المعرفة والتفكير المستقل.
وعلى مستوى العالم العربي، يُعتبر المعلمون الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وازدهار الدول. هم من يُعتمد عليهم في تشكيل هوية الأجيال القادمة وتعزيز القيم الإنسانية والوطنية. في ظل التحديات المعاصرة، يُعتبر دور المعلمين محوريًا في إعداد الشباب لمواجهة متطلبات السوق العالمي من خلال تقديم تعليم نوعي يشجع على التفكير النقدي والإبداع.
لنجعل من اليوم العالمي للمعلم فرصة لنُفكر في كيفية دعم المعلمين. ماذا يمكننا أن نقدم كأفراد ومؤسسات لضمان أن يظل المعلمون مصدر إلهام؟ دعونا نتعهد بتقديرهم واحتفالهم ليس فقط في هذا اليوم، بل طوال العام، المعلم هو من يُضيء لنا الطريق، لذا دعونا نشكرهم ونعبر لهم عن امتناننا.
فلنتذكر أن كل معلم هو حجر الزاوية في بناء أجيالٍ واعية وقادرة على مواجهة التحديات، إن احتفاءنا بالمعلم هو احتفاء بمستقبلنا، فهو الذي يفتح لنا الأبواب نحو عالم من الاحتمالات.
دعونا نُظهر تقديرنا للمعلمين في حياتنا، ونُدرك كم هم مهمون في تشكيل عقول الأجيال وصناعة الفارق في المجتمع.
شكراً من القلب لكل معلم ومعلمة على جهودكم، فأنتم الأمل في بناء مستقبل مشرق لأبنائنا
وثمة سؤال حتمي موجه للجميع: كيف يمكن للمجتمع ككل أن يتحمل مسؤولية دعم المعلمين وتعزيز دورهم الفعّال في تشكيل مستقبل الأجيال القادمة، بحيث يتحول هذا الدعم إلى ثقافة راسخة تُعزز من قيمة التعليم وتساهم في بناء مجتمع متماسك ومستدام؟
وأختم بأبيات أحمد شوقي:
قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا
كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي
يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا
سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ
عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى
أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِهِ
وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا
وَطَبَعتَهُ بِيَدِ المُعَلِّمِ تارَةً
صَدِئَ الحَديدُ وَتارَةً مَصقولا