السعودية هوية وتاريخ وطن عريق
أوضحت الكاتبة الصحفية ومستشارة التدريب الدكتورة هيفاء بنت محمد الدعلان لصحيفة " النهار السعودية": أن يوم التأسيس السعودي يُمثل مناسبة تاريخية تحمل أهمية كبيرة في قلوب السعوديين وتعكس عمق الولاء والانتماء لوطنهم، حيث تحتفل به المملكة العربية السعودية في الذكرى الوطنية لتوحيد المملكة على يد الإمام محمد بن سعود في عام 1727م، وهذا اليوم يُعتبر فرصة لتجديد العهد بالوفاء للقيادة الحكيمة وتعزيز روح الوحدة والتضامن بين جميع أفراد المجتمع السعودي، حيث إن أهمية يوم التأسيس السعودي تُكمن في استعراض التقدم الكبير الذي شهدته المملكة على مر العقود في مختلف المجالات من التنمية والتحول الاقتصادي والتطور الاجتماعي والثقافي . ومن المتعارف عليه أن المملكة تحتفل بيوم التأسيس في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، وتعتبر هذه المناسبة فخرًا واعتزازًا لدى السعوديين بتاريخ بلدهم العريق وتأسيس المملكة العربية السعودية، حيث تشهد الفعاليات والاحتفالات التي تقام في هذا اليوم مشاركة واسعة من قبل جميع شرائح المجتمع السعودي، حيث تتنوع الفعاليات ما بين العروض الثقافية والاحتفالات الشعبية والأنشطة الرياضية والمسابقات، كما يتم رفع الأعلام والزينة في شوارع المدن والقرى، وتأتي هذه الاحتفالات بهدف تعزيز الوحدة الوطنية وتعكس مدى الفخر والانتماء الوطني في قلوب السعوديين لبلدهم، وتعزيز الروح الوطنية والانتماء للوطن والملك والحفاظ على تراث وتاريخ المملكة، كما تعزز هذه المناسبة القيم الوطنية والمواطنة وتحفز الشباب على المشاركة الفاعلة في التنمية وبناء الوطن.
الوطن مفردةٌ سحريةٌ، تشمل وتحتوي كافة المشاعر والأحاسيس، الماضي والحاضر والمستقبل، الأهل والمجتمع، منه وله كل الفخر والتميز، لذلك يكون الانتماء الأبدي للوطن هو الهوية والفخر والجواز الحقيقي عبر الأزمان . الوطن اعطي لنا بلا مقابل ، فمابالك بوطني مهبط الحضارات، ومهد الديانة الإبراهيمية الحنيفة ،وبلاد الحرمين الشريفين ، وقبلة المسلمين ،ومنشأ اللغة العربية ، وتاريخ مجيد يحكي قصة كفاح طويلة حتى وصلنا لما نحن عليه اليوم ، لذلك الانتماء الحقيقي؛ هو أساس لحب الوطن والاعتزاز بهويته والمحافظة عليه ،ويكون الانتماء بحب الوطن العملي، ليس مجرد انتماء نسبوي بقدر ما هو وجود واقعي حتمي، ينظم حركة الحاضر، ويخطط للمستقبل، لترك البصمة التاريخية التي تبقى بعد تداعي الزمان وتغير المكان، فمن لاماضي له لامستقبل له ، والتضحية من أجله، والاجتهاد لرفعته وعزته والانتصار لكرامته، ليكون الحبُ هو المقابل لما يعطينا الوطن ، وليكون الانتماء له هو هويتنا الأبدية.
والهوية هنا تتجاوز حدود الانتماء الجغرافية والتاريخية ،هي انتماءً في آفاق المستقبل، لتشكل من المواطن المنتمي إلى هذه المنظومة قدوة حضارية، تحتكم إلى تصورات ثابتة، هذه المنظومة من التصورات هي التي تحدد درجة النضج والولاء والعطاء، عبر معايير متداخلة، تبدأ قبل كل شيء من فيض الشعور العارم عند المواطن بحبه لوطنه وولائه له، فلا يقبل المساومة عليه، لأنه يعده جزءاً من كيانه الذي لا يقبل القسمة أو التجزيء، بل لا يقبل في مقابله بأنصاف الحلول التي تشرذم الولاءات، وتختلط فيها الانتماءات ،فلا غربة بعد غربة الأوطان ولاضياع بعد ضياع الأوطان .
وتتوالى أساسيات هذا الالتزام بجوهر الهوية الوطنية، لتتمثل بالانصياع للقيم الثابتة والفضائل، والتي تنبثق من الدين الإسلامي واللغة العربية وطاعة ولي الأمر والمحافظة على التاريخ الأصيل ،لذلك تتفرد السعودية بهوية خاصة تميزها عن بقية الأمصار ، ومن دونها سنذوب في سيل التداخل الحضاري الذي حطم القيود بين البشر، وأحال أكبر المسافات إلى قرى صغيرة، تتشابك فيها الاهتمامات والمصالح، وتطغى فيها أصوات المادية والبراغماتية على حساب التمسك بالقيم.
ولا بد من التأكيد على أن هذه الهوية لا يمكن أن تبقى مندفعة ذاتياً، بل لا بد من تعزيزها على الدوام بطلب العلم والمعرفة، وهي ركن أساسي من أركان ثقافتنا، وعماد حضارتنا، بل هي السلاح الأوحد للدخول في عالم المستقبل، حيث سعت الحكومة في تعزيز الهوية الوطنية بأن جعلت منها أولوية في رؤية المملكة 2030، من خلال برنامج تعزيز الشخصية السعودية 2020، الذي يعد أحد البرامج التي أطلقها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية من ضمن عشرة برامج تم طرحها كرؤية يشرف المجلس على مراقبتها وتنفيذها بحلول عام 2020م؛ لتحقيق رؤية المملكة 2030، استناداً على قيم إسلامية ووطنية، والخصائص الشخصية والنفسية التي تساعد على تحفيز الأفراد وتقودهم نحو النجاح والتفاؤل، وتسعى المملكة لخلق جيل على قدر من الوعي يتماشى مع توجهاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والدينية.
وفي حوار لولي العهد الأمير محمد بن سلمان أكد فيه أنَّ «الهويّة السعودية قوية وتزداد قوة وتطوراً بالانفتاح، وإنَّ أصحابَ الهوية الضعيفة هم من يقلقهم الانفتاح على العالم».،كما أشار إنَّ السعودية تملك 3 نقاط قوية لا ينافسنا عليها أحدٌ «عمقنا العربي والإسلامي، وقوتنا الاستثمارية، وموقعنا الجغرافي، نقاط قوة لنا». وأضاف: «لا شك أنَّ التاريخ الإسلامي هو أهم مرتكز ومنطلق لنا، لكنْ عندنا عمق تاريخي ضخم جداً، يتقاطع مع الكثير من الحضارات. التاريخ العربي آلاف السنين هو تاريخ الكلمة وتاريخ المبادئ وتاريخ القيم، وهو لا يضاهيه أي تاريخ ولا حضارة في العالم. أفضل حضارة قيم ومبادئ هي الحضارة العربية عمرها آلاف السنين».
ومما قاله الأمير محمد، في حواره مع مجلة «ذا أتلانتيك» الأميريكية«دولتنا قائمة على الإسلام، وعلى الثقافة القبلية، وثقافة المنطقة، وثقافة البلدة، والثقافة العربية، والثقافة السعودية، وعلى معتقداتها، وهذه هي روحنا، وإذا تخلصنا منها، فإنَّ هذا الأمر يعني أن البلد سينهار».
إذن هي هوية غنيَّة مركّبة الطبقات متعددة الشرفات غزيرة المسارات، كلها تصبُّ في حوض حضاري كبير هو: السعودية. لذلك تشكلت الهوية البصرية ليوم التأسيس تحت شعار "يوم بدينا" التي تحمل معانيَ جوهريةً تاريخيةً متنوعةً ومرتبطةً بأمجاد وبطولات وعراقة الدولة السعودية؛ إذْ يظهر في منتصف الشعار أيقونة "رجل يحمل راية" في إشارة إلى بطولات رجال المجتمع السعودي والتفافه حول الراية التي حماها ورفعها ودافع عنها بالغالي والنفيس ويحيط بأيقونة الهوية أربعة رموز هي: التمر الذي يدل على النماء والحياة والكرم، والمجلس الذي يعبِّر عن الوحدة والتناغم الثقافي المجتمعي، والخيل العربي، وهو العنصر الذي يعرض فروسية وبطولة أمراء وشجعان الدولة، والسوق، في إشارة إلى الحراك الاقتصادي والتنوع والانفتاح على العالم.
وختمت الدعلان: كُتبت عبارة "يوم التأسيس - 1727م" بخط مستلهم من مخطوطات عديدة وثَّقَت تاريخ الدولة السعودية الأولى لتكون الرسالة الشاملة للشعار مرتبطةً بالقيم التي تمثل الثقافة السعودية المشتركة، وموصلةً لمعاني الفخر والحماس والأصالة والترابط، ومرتبطة بالضيافة والكرم والمعرفة والعلوم.
كل هذا في صورة ستخلد في الأذهان أننا من بدينا توحدنا وبنينا
بقلم د. هيفاء الدعلان