د.بدر الحسين

٠٩ ابريل-٢٠٢٣

الكاتب : د.بدر الحسين
التاريخ: ٠٩ ابريل-٢٠٢٣       65450

التَّعامُل الشَّريف


أكثر ما يُبهج القلب ويريحُ النفس هو التَّعامُل الشريف الذي ينطلقُ من الوضوح والأريحية، ويعكس حُسن النَّوايا وصدق المشاعر وصفاء الروح. وفي هذا النوع الراقي من التَّعامل تسيرُ الأمور على ما يُرام وعلى السجيَّة، فليس هناك فقرات غامضة، ولا موارَبة، ولا ألغام مُستترة، ولا خطط مُبيَّتة أو أهداف خفيَّة تنطوي على مصالح نفعيّة.
أصحاب التعامل النَّظيف واضِحون وضوح الشمس في رائعة النهار، لا يدعون مجالا للريبة أو الشك، تتدلَّى مشاعرهم الصادقة من نافذة قلوبهم كما يتدلَّى السَّنا الدافئ من وجنات الشمس، وكما تتدلَّى قطرات الندى من خدود الزهر.
ولكن عندما تتلوّن المعاملة وفقا لمعطيات المصلحة وقوالبها، وتتقلّب المشاعر تَبعاً لرؤية أحاديَّة نابعة من مصلحة شخصيَّة ضيّقة وأنانيَّة مقيتَة عندئذٍ تُطِلُّ علامات الاستفهام برأسها، ويجد الشكّ في النفوس مكانا فسيحًا، الأمر الذي يؤدي إلى تقهقُر العلاقات الإنسانية، وتصدُّع ركائز الصداقة والصحبة وحتى القرابة مُؤذِنًا بانهيار أو شبه انهيار.
ولا شكَّ في أنَّ التماس العُذر من أهم إستراتيجيات رأب الصَّدع وإعادة ضبط إيقاع العلاقة بين الناس في الأوساط الأسريَّة وفي بيئات العمل، ولكن إذا أصبح تقديمُ المصلحة الشخصية بأنانية فجَّة دأبًا، وتعذّر الإصلاح واستحالَ توجيه البوصلة نحو الوجهة الصحيحة، يُصبح من الأسْلَم والأجدى لزوم الحدّ الأدنى في المعاملة، وبالقَدر الذي يُبقي المودَّة، ويحافظ على سير المركب بأمان.
وممَّا يوجِع القلب ويحزُّ في النفس سياسةَ الاستغفال التي ينتهِجُها بعض الناس في معاملته مع الآخرين، إذ يختفي عن المشهد تماما ما دام حضورُه لا يقدِّم له نفعًا ضاربا بعرض الحائط كلَّ ما يترتَّب عليه من واجبات أو التزامات تجاه الآخرين، ولكن ما إن تتبدَّى له في الأفق ملامحُ مصلحة حتى تجده حاضراً بكل قوة، يدخل من الأبواب، ويتسلَّل من النوافذ، ويُحاصرُك عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ويستميتُ من أجل فرض نفسِه على المشهد.
والأدهى والأمَرّ، ما يَمتلِكُه بعضهم من مهارات في المكر والدَّهاء، ففي الوقت الذي تفتحُ فيه لهم صفحاتُ قلبك، وتحدِّثهم بمنتهى الأخوَّة والنقاء تجدُهم يرسمون لك المصائد، ويستغلُّون ما تُسِرُّه إليهم أسوأ استغلال فيُخبِّئونه في أدراج نفوسهم القاتمة؛ ليستشهدوا به؛ من أجل إحراجك وإدانتك يوما ما.
وربَّما يقول قائل: يجب على الإنسان أن يكون حَذرًا على الدوام، ويحسب ألف حساب لكل كلمة يقولها، أو تصرُّف يقوم به، أو خبر ينقله، وينبغي عليه ألا يمنح ثقته أحدا، ويتعامل مع الآخرين بمنتهى الحيطة والحذر، ويقدِّم سوء الظن على حُسن الظن، وغير ذلك من قوانين التعامل الصارمة.
وفي الرد على ذلك نقول: الإنسان جسد وروح، ومشاعر وأحاسيس، ويحتاج إلى الحب والصداقة، ويحتاج إلى خلّ قريب إلى قلبه يبوح له بمكنونات نفسه، ويتعامل معه بصفاء ونقاء وأريحية، ولا يمكن للإنسان أن يعيش الحياة وكأنه في حقل ألغام، أو أن يمارس حياته وكأنه مُدخل بيانات أقصى همِّه أن يكون دقيقا فيما يُدخله من معلومات وأرقام فحسب.
التَّفاعل الإنساني الإيجابي والواقعي من أهمِّ مصادر السَّعادة للإنسان، والترويح عن النفس وتفريغ حمولاتها من ضغوط الحياة مطلبٌ مهم؛ ليتخفَّف الإنسان من العناء والضغوط النفسية، ويجدِّد مشاعره، ويفتح نافذة جديدة يتنفَّس منها عبَق النقاء والصفاء.  
يستحقُّ أجمل التحايا أولئك الرائعون الذين ما زالوا يُعاملون الناس بود أنيق واحترام دافئ وثقة عالية، ويرفعون شعار "الإنسانية والأخلاق أولا"!
يستحقُّ كل التقدير والاحترام أولئك الأنقياء الذين يجعلون وجه الحياة أكثر نضارة وجمالا، ويبثُّون في مناكبها أروع صور التعامل الإنساني.
 
بقلم: د. بدر الحسين
مستشار بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني
badrhussain@hotmail.com
00966502906389