جمعان الكرت
الشاعر عبدالله البيضاني يتسنم هامة الشعر الشعبي الجنوبي
كتب :جمعان الكرت
عبدالله البيضاني شاعر ملء الجمال والإبداع، شق طريقه إلى القمة بنجاح، غزارة في الإنتاج، تمكّن في بناء القصيدة الشعبية في جانبيها البدع والرد، براعة في الشقر، وزيادة على ذلك رقي تفكيره، وسمو أخلاقه، وحسن تعامله، واحترامه لجميع الأطياف، شاعر له هيبة جبال السراة وبهاء أشجار العرعر، اكتسبها من جزالة قصائده وطيب أخلاقه ، وحسن تعامله،وكرمه، لفت انتباه الكثيرين منذ مشاركته المبكرة ومن بينها في العرضة الشعبية التي اقيمت في سوق رغدان التاريخيّ بحضور شاعرين بارزين هما خرصان بن حمدان الغامدي و عايض بن عواض رحمهما الله ، ورغم صغر سن الشاعر البيضاني وقتها، إلا أنه تمكن -وبكل ثقة واقتدار- من مقارعة الشاعرين مما وصفه الشاعر خرصان بأن قبيلة من الجان تتحدث من على لسان البيضاني، واستمر ألق الشعر وقوة البيان وسرعة البديهة يشارك في إحياء المناسبات في داخل المنطقة وخارجها مما شهد له كبار الشعراء في المنطقة الجنوبية بأن الشاعر عبدالله البيضاني يتسنم هامة الشعر الشعبي الجنوبي ويقف في مقدمة الصفوف الأمامية
وحين قرر عدد من الرجال الأكارم تكريم الشاعر عبدالله البيضاني فإن تلك خطوة رائعة ومبادرة متميزة إذ أن مشواره الشعري جدير بالرصد و والحفظ كي يستفيد منه الدارسون والمهتمون بالتراث الشعبي.
أما لماذا لأن الأدب الشعبي يعد عِلما مستقلا بذاته،يحتل مكانة هامة في الدراسـات الفلكلورية،له أشـكال من التعبير الشفهي كالحكاية والقصص والألغاز، ،النكت والحِكـم، والأمثال الشعبية.
الأدب الشفهي ذاكرة حية للمجتمع، يعكس ثقافته وواقعه ويتداولها الناس جيلًا بعد جيل ،يتكرس في الذاكرة الجمعية، وينفذ إلى أعماقه يعبر عن تجربة الجماعة فيصبح بذلك ضميرها المتحرك،المعبر عن تجاربها الحياتية وآمالها وآلامها ومعتقداتها وسلوكها، وتأثير الفنون الشفهية أعظم وأشد في الذاكرة الجماعية ،فنجـد الأشـعار والقصص الشعبية والسير والأمثال والألغاز ، مما خلدت في الذاكرة لكونها مستمدة من أصالة المجتمعات ومرتبط بالإنسان والمكان، فالأدب الشفهي ركن أساس في الثقافة الانسانية لكونه نتاج عادات وتقاليد وأعراف تعارفت عليها المجتمعات المنسجمة مع فنونها وتراثها، ومصدر رئيسي من مصادر التاريخ الاجتماعي والثقافي، وهناك أشكال للشعر الشعبي كطرق الجبل وألحان اخرى تنسجم مع العمل الزراعي واستحثاث الجهد في الحصاد، ويحتوى الشعر الشعبي في منطقة الباحة على الكثير من المحسنات البديعية وخصوصًا الجناس الذي يعرف بالشقر (أي تطابق اللفظ واختلاف المعنى) وهذا الذي يميزه عن غيره.
وأبرز ما يتسم به النتاج الشعبي هو عفويته وشموله، فهو موقف أصيل، يحمل الفكر، ويكرس الأصالة، ويمثل شعوراً جمعياً، وهذا ما يضمن له القبول من شرائح المجتمع ، لكونه يفصح عن مشاعرها في أفراحها وأحزانها، ويبهر في ألعابه ومسامراته، تُدق الطبول، فيجتمع القوم ويرتجل الشاعر قصيدته ، وتتحول صفوف العرضة إلى شعلة من حماس، تهتز الأجسام وتشيع البهجة، فيصيب المشاركون نشوة غامرة، ينأى بهم عن مشاغل الحياة .
ورقصات العرضة والمسحباني والهرموج بمصاحبة النغم كالقصيدة واللحن وطرق الجبل مؤطرة بإيقاعات الزير والدف والزلفة لها دلالات تنسجم مع التقبل العقلي والتوافق الاجتماعي والانسجام النفسي، لأنها تعبر عن أحاسيس ومشاعر فردية وجماعية
لذا يعُتبر الشعر الشعبي رافدًا ثقافيًا يحفظ تاريخ أجيال ويرويه أعداد كبيرة من الناس، والقصائد تعبر بصدق عن عادات وتقاليد المجتمع، وأحواله فضلاً عن كونه يحتوي على معانٍ سامية وصور رفيعة، لمظاهر السلوك الإنساني .
وهنا نستطيع القول بأن الشاعر عبدالله البيضاني برع في هذا الجنس الأدبي من خلال مشواره الطويل الذي تجاوز نصف قرن ، ليسجل أسمه بمداد من ذهب وبكل اقتدار في صفحات النجاح ليكون ضمن أبرز الشعراء الشعبيين على مستوى وطننا الغالي
متعه الله بالصحة والسعادة وأطال عمره
قصيدة مختارة للشاعر عبدالله البيضاني تتجلى في مضامينها الحكمة وحسن سبك الكلمات وعمق المعاني.
الهريري يقول ايامنا والليالي في ديار
والدنيا تشغل ابن ادم والايام تطوي فالعمارى
والساعة والدقيقه من حياة ابني ادم تحتسب
لو تركنا عوايدنا ضعفنا ومتنا وانحن احيا
لا تجبر ولا تبخل ولا تاتميوت وانت حي
مات بو زيد ذا كلن درابه ومات اغلى منه
هكذا الشاعر الكبير قدرًا ومقامًا عبدالله البيضاني الذي يحيل الكلمات إلى صور بلاغية راقية ومعان جزلة وحكم قيمة يتداولها الناس في مجالسهم.