جمعان الكرت

١٧ نوفمبر-٢٠٢٣

الكاتب : جمعان الكرت
التاريخ: ١٧ نوفمبر-٢٠٢٣       26785

التسامح قيمة أخلاقية يشترك المجتمع الدولي في تعزيزه

'

بقلم:جمعان الكرت 

ليس هناك تعريف محدد سوى التعريف الذي اعتمدته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة في باريس عام 1995م،على أن التسامح هو الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى السلم،  وتعني  
(الاحترام، والقبول، والتقدير، للتنوّع الثري للثقافات ، ولأشكال التعبير للصفات الإنسانية، وأن هذا التسامح يتعزَّز بالمعرفة، والانفتاح، والاتصال، والحرية)
ولنا في ديننا القدوة الحسنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى ) وقال الله عز وجل" ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفرالله لكم والله غفور رحيم)) وهنا يأخذ التسامح دلالا ترتكز على العفو والصفح والاحسان فالتسامح خلق إسلامي رفيع يدعو إلى حرية التعبير وقبول الرأي واحترام انسانية الآخرين. وهنا يسود المجتمع التآلف والمحبة والتواصل والثقة متى كان التسامح مجبول في النفوس مغروس في الوجدان مطبق في شؤون الحياة
وهنا ندرك أن التسامح خلق عظيم، حثنا عليه  الإسلام  
والتسامح يعني: الجود، والكرم، والمسامحة كما  يعني: المساهلة، والتجاوز والعفو، والملاطفة واللين وتيسير الأمور والبعد عن التفحش،والغلظة والعنف قال الله -تعالى-: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وسماحة المسلمين التي تبدو في تعاملاتهم المختلفة سواء مع بعضهم أو مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، 
  وحين تأدي مفردة التسامح أول ما يتبادر إلى الذهن أنها تعني الصفح العفو تجاوز الأخطاء عذر الآخرين عدم مقابلة الإساءة بمثلهاوالتعايش بود وسلام مع نبذ العنف والعنصرية وقبول جميع الأجناس والأعراق،
 إذن التسامح قيمة أخلاقية وفضيلة عظمى دعا لها الاسلام  وأكد على أهميتها  
والسؤال الذي يطفو على السطع كيف ننمي هذه الفضيلة ونعززها في نفوس الجميع كبيرا وصغيرا نساءً ورجالا 
أول خطوة عملية لتطبيق التسامح هو تحلي الفرد بالتسامح يبدأ الانسان بنفسه في تعزيز هذه القيمة ليطبقها في جميع شؤون الحياة من خلال علاقاته مع الآخرين وتعامله مع أهل بيته وجيرانه ولا يعني التسامح قول دون فعل بل سلوك حميد. ومتى تحلى الفرد بقيمة التسامح انعكس ذلك ايجابيا بتحقيق السعادة والرضا وصفاء الذهن وكذلك انتشار المحبة والألفة والتعاون وعلى العكس تماما حين يتغلب سلوك التعصب والتطرف والحدة إذ يترتب عنها التصدع والنزاع والمشكلات
وللأسرة -بصفتها نواة المجتمع - دور فاعل وحيوي في تطبيق فعلي لهذه القيمة الاجتماعية والانسانية وتعزيزها في النفوس فكل فرديعد سفيرا لأهله مرآة صادقة يعكس أسلوب التربية وما يكتنفها من وعي وتقدير واحترام ومرونة وتقدير لوجهات نظر الآخرين وعدم الغلظة أوالاقصاء أو التحقير  .وحين يكون المجتمع بأسره مقدرا لهذه القيمة الانسانية حتما ستنعكس ايجابا  في اتساع دائرة التسامح  في مساحات أرحب وآفاق أوسع .  
ويأتي دور التعليم بصفته ركيزة البناء وعماد التقدم ونافذة المستقبل حيث تقع عليه المسؤولية العظمى في تنمية الوعي وتعزيز السلوك الايجابي وتعميق الود وزرع سنابل الخير ليصبح المجتمع نسيجا متناغما متماسكا منسجمًا مهما اختلفت التوجهات والثقافات والمذاهب والقبائل والأعراق، فالتعليم ركن ركين وأساس متين في تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي وبث روح الطمأنينة ويأتي ذلك من خلال فتح فضاء أوسع للحوار مع تنظيم ورش تدريبة بمشاركة المختصين وتقديم المشاهد التمثيلية والتي تحمل مضامين تعزز وتعمق ثقافة التسامح في نفوس الطلاب في مختلف المراحل الدراسية خصوصا في المرحلة الابتدائية ليتشرب الطفل هذا السلوك مما ي ينعكس في علاقته مع الآخرين باحترامهم وعدم احتقارهم . 
 ويأتي دور المدرسة مكملا لتعزيز ثقافة التسامح سواء من خلال المناهج الدراسية أو الدور الفاعل من المعلم بمساعدة الطلاب على رؤية الحقائق بما يكفل الابتعاد عن الأفكار المتطرفة فالمدرسة منارة ثقافية وتربوية وتعليمية قادرة على التوجيه السليم من خلال البرامج  والأنشطة والبرامج بترسيخ القيم فكرا وممارسة وتمرر الرسائل التربوية الواعية بمقدور معلم التربية الفنية توسيع مدارك الطلاب من خلال أعمال فنية ذات قيمة جماليةومضامين سامية ومثله معلم التربية الرياضية بتعزيز روح التسامح من خلال الأنشطة الرياضية المتنوعة وقبول الآخر والبعد عن الحدةوسورة الغضب  وكل المعلمين بحسب تخصصاتهم يتحملون هذه المسؤولية العظيمة إذ أن التعليم لا يقتصر على معلومة تحفظ أو واجب يحل بقدر ما هو سلوك حميد وأخلاق جميلة وتعامل مثالي ينبني على الاحترام والحوار والتعاون وتنمية الفكر الناقد والتحليل المنطقي ..
 وهنا نستطيع القول بأن التسامح  قيمة أخلاقية وجبلة نبيلة يتسم بها عظماء الرجال، القادرون على كبح جماح الغضب والترفع عن صغائرالأمور  ورفض التعصب والحدة والتطرف والتحلي بالصبر واتخاذ الحكمة نبراسًا، فالتسامح مروءة تقتدى، وإرادة تحتذى، وتحلى بالأخلاق الحميدة التي تسمو بالذات وترفعه شأنا عاليًا. 
والتسامح أنواع منه ما هو مرتبط بالفكر والثقافة وأساس ذلك احترام لآداب الحوار وقبول الآخر وتسامح ديني  بالتخلي عن التعصب الديني  والتقارب مع الأعراق والألوان واللغات وثالث التسامح عرقي بتقبل الآخر رغم الاختلاف معه وكذلك التسامح السياسي بتأييدالديموقراطية والعدالة الانسانية دون غمط لحقوق أو انتقاص لفئات. 
وحين يحتفى العالم بأسره بالتسامح ووضع يوم عالمي من أجله فإن ذلك دليل على أهمية القيمة الأخلاقية كمبدأ إنساني يعترف بحريات الآخرين وحقوقهم الانسانية ومشاعرهم ومعتقداتهم وطريقة حياتهم بغض النظر عن أجناسهم وألوانهم. 
وللإعلام بمختلف أنواعه إعلام تقليدي أو اعلام السوشل ميديا دوره الحيوي في هذا الشأن متى وظفت آليته بطرق ممنهجة وواعية ومهنية عالية بتحري الصدق والاقناع والموضوعية  والنزاهة واختيار البرامج المناسبةبل صناعتها  وبث الحوارات الهادفة التي ترسخ قيمة التعايش والتناغم والتجانس والتصدي للعنف والتطرف والغلو.