بقلم- محمد السويعي
هل سبق أن حمّلت تطبيقاً للحصول على خدمة معينة، وسجلت فيه بياناتك الشخصية، ثم اكتشفت بعد فترة أنك لم تعد بحاجة إليه؟ ربما قررت حذف حسابك، وبدأت تبحث في الإعدادات عن الخيار المناسب، لكنك لم تجد شيئاً سوى "تسجيل الخروج". عندها قد تكتفي بحذف التطبيق من هاتفك، معتقداً أن علاقتك به انتهت، بينما تبقى معلوماتك محفوظة لدى الشركة التي تديره.
هذا الموقف، الذي قد يمر به كثير من مستخدمي التطبيقات، يثير تساؤلاً مهماً حول خصوصية بياناتنا، ومدى قدرتنا على التحكم فيها بعد انتهاء حاجتنا إلى الخدمة.
اليوم، أصبح إنشاء حساب في التطبيقات التجارية والخدمية أمراً يكاد يكون إلزامياً، حتى للحصول على خدمة بسيطة قد لا نحتاج إليها سوى مرة واحدة. يطلب منك التطبيق اسمك الكامل، ورقم هاتفك، وبريدك الإلكتروني، وأحياناً موقعك الجغرافي. تقدم هذه المعلومات حتى تتمكن من متابعة طلبك، دون أن تتوقف كثيراً عند السؤال الأهم: ماذا سيحدث لبياناتي عندما أتوقف عن استخدام هذا التطبيق؟
ما لفت انتباهي أن بعض التطبيقات تسهّل عليك التسجيل إلى أبعد حد، لكنها لا تمنحك السهولة نفسها عندما ترغب في إغلاق حسابك وحذف معلوماتك. وقد تضطر إلى مراسلة خدمة العملاء أو البحث في سياسة الخصوصية، التي غالباً ما تكون طويلة ومليئة بالتفاصيل القانونية، لتعرف كيف تطلب حذف بياناتك، إن وجدت الطريقة أصلاً. ولعل المشكلة الأكبر أن كثيراً من المستخدمين يعتقدون أن حذف التطبيق من الهاتف يعني التخلص من جميع المعلومات المرتبطة به. والحقيقة أن التطبيق ليس سوى وسيلة للوصول إلى الخدمة، أما البيانات فقد تظل مخزنة في خوادم الشركة، بما فيها معلومات الاتصال وسجل الطلبات وغيرها من التفاصيل التي جُمعت أثناء الاستخدام. ومع كثرة التطبيقات التي نتعامل معها، تخيل حجم المعلومات الشخصية التي تركناها خلفنا لدى شركات ومتاجر إلكترونية لم نعد نتذكر بعضها. والسؤال ليس ما إذا كانت هذه الجهات ستسيء استخدام بياناتنا، وإنما لماذا يستمر الاحتفاظ بها إذا انتهى الغرض من جمعها ولم يعد هناك مسوغ نظامي لبقائها؟
في المملكة العربية السعودية، لم يُترك موضوع حماية البيانات الشخصية لاجتهاد الشركات. فقد صدر نظام حماية البيانات الشخصية، الذي تشرف على تطبيق أحكامه الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، ليضع إطاراً واضحاً لحقوق الأفراد والتزامات الجهات التي تجمع بياناتهم وتعالجها. ومن أبرز هذه الحقوق ما نصت عليه المادة الرابعة من النظام، التي تمنح الفرد حق طلب إتلاف بياناته الشخصية التي انتهت الحاجة إليها. كما تؤكد المادة الثامنة عشرة وجوب إتلاف البيانات بعد انتهاء الغرض من جمعها، مع مراعاة الحالات التي تستوجب الاحتفاظ بها نظاماً. والأهم أن اللائحة التنفيذية حددت مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً للاستجابة لطلبات ممارسة حقوق أصحاب البيانات، مع السماح بتمديدها في حالات محددة ووفق ضوابط معينة. بمعنى أن طلب حذف البيانات ليس مجرد رجاء يقدمه المستخدم إلى الشركة، بل ممارسة لحق كفله النظام.
وهنا يجب التفريق بين أمرين؛ فالنظام لا ينص بصورة عامة على إلزام كل تطبيق بتوفير خيار مخصص لحذف الحساب، لكنه يلزم الجهات بتمكين الأفراد من ممارسة حقوقهم. كما أن بعض المعلومات، مثل السجلات المالية أو البيانات المرتبطة بالتزامات قضائية، قد يتطلب النظام الاحتفاظ بها مدة معينة. وهذا أمر مفهوم، لكن ينبغي ألا يتحول إلى مبرر للاحتفاظ بجميع بيانات المستخدم دون حاجة واضحة.
ما أتمناه هو أن تتعامل الشركات مع حذف البيانات بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع جمعها. فإذا كان التطبيق قادراً على إنشاء حساب جديد خلال دقائق، فما الذي يمنعه من توفير خيار واضح لطلب إغلاق الحساب وإتلاف البيانات التي لم يعد هناك سبب مشروع للاحتفاظ بها؟ ولماذا يضطر المستخدم أحياناً إلى مراسلات متعددة للحصول على حق يفترض أن تكون ممارسته سهلة؟
وأرى أن هذه المسألة تستحق مزيداً من الاهتمام من الجهات المعنية بحماية البيانات الشخصية، من خلال تعزيز متطلبات الوضوح وسهولة ممارسة الحقوق داخل التطبيقات، والتأكد من أن المستخدم يعرف أين يتقدم بطلبه، ومتى يتلقى الرد، وما البيانات التي يمكن حذفها أو التي يجب الاحتفاظ بها نظاماً. ولا تقل مسؤولية المستخدم أهمية عن مسؤولية الشركات؛ فمن حقه أن يعرف لماذا تُجمع بياناته، وكيف تُستخدم، وأن يطالب بإتلاف ما انتهت الحاجة إليه منها. وإذا واجه مخالفة، فبإمكانه تقديم شكوى إلى سدايا عبر منصة حوكمة البيانات الوطنية.
لقد حققت المملكة تقدماً كبيراً في التحول الرقمي، وأصبحت التطبيقات والخدمات الإلكترونية تسهّل علينا كثيراً من تفاصيل حياتنا اليومية. ومن الطبيعي أن يواكب هذا التطور اهتمام مماثل بحقوق المستخدمين، ليس عند تسجيلهم في الخدمات فحسب، بل حتى عندما يقررون مغادرتها. فكما نحترم رغبة المستخدم عندما يقرر إنشاء حساب، علينا أن نحترم رغبته عندما يقرر إغلاقه. فالخدمة قد تنتهي، لكن ذلك لا يعني أن تبقى بياناته الشخصية محفوظة إلى أجل غير معلوم.