الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ نوفمبر-٢٠٢٦       6215

حوار – حسين السنونة

يُعد إبراهيم مضواح الألمعي من أبرز الروائيين السعوديين، ولعلَّه يتميز بميزةٍ قلَّ نظيرها، وهي تنوّعه في الكتابة الأدبية بين الرواية والقصة والكتب الفكرية والسير؛ فهو بارعٌ في اختيار أفكار رواياته وقصصه، كما ينتقي الشخصيات الفكرية أو المؤثرة في عالمنا العربي ليكتب عنها، وفي حديثه لصحيفة "النهار" يقول عن الرواية، الرواية كسائر الأعمال الأدبية فيها الجيد والرديء، وسؤال كهذا يمكن أن يجيب عنه ناقد يتابع كل ما يُنشر أو أكثر ما ينشر على الأقل..

غير أني أفرق بين الرواية التي تميزت من داخلها بموضوعها، ولغتها، وتقنياتها الفنية، وتلك التي رفعها حشود المتابعين في وسائل التواصل، فهذا الاصطفاف جاء لتوقيع الكاتب لا لقيمة الرواية، وحينها تغدو الرواية مجرد (أوتوجراف) لا عمل إبداعي..

ثلاثون عاماً، وثلاثة وثلاثون كتابًا متنوعة بين القصة والرواية والنقد والفكر، هي عمر تجربتك الأدبية حتى الآن، ولا تزال شغوفاً بالأدب، هل هناك مشاريع إبداعية قادمة ستخرج عن الخطوط الإبداعية السابقة، خصوصاً أن تجربتك مُتنوعة في عمومها؟

كما جاءت الأعمال السابقة متنوِّعة دون تخطيط مسبق فأحسبُ أن الأعمال التالية ستأتي على النول نفسه، ولا أملك التنبؤ بالأعمال قبل الشروع فيها..

هناك أعمال صدرت وتحتاج إلى إعادة طباعة مع زيادات، والغالب أنها ستأخذ الأولوية، وهناك عشرات المقالات المنشورة وجمعها ونشرها أمرٌ وارد، هناك عديد القصص القصيرة المنشورة، ويمكن إصدارها في مجموعة، كل هذا إلى أن يتهيأ المِزاج للكتابة الروائية.

لديك رأي بخصوص أسماء مقاهي الشريك الأدبي، وعن فعاليتها، واختيار ضيوفها، واعتذرت عن عدة دعوات للمشاركة، حدثنا عن ذلك؟

لبيتُ العديد من الدعوات، وقدمت فيها العديد من المحاضرات، وحضرت فيها ندوات ومحاضرات، وكل تجربةٍ عرضةٌ للخطأ، وقابلة للمراجعة والتصحيح، وقد غلبَ على ظني أن عمل الشريك الأدبي عملٌ استثماري لا يتطلب أن يكون القائمون على المقهى أو المنظمون أولي علاقة بالثقافة والأدب، ولا ذوي تجربة في إدارة العمل الثقافي؛ وبالتالي يصبح الضيفُ غريبًا وربما وحيدًا في المقهى إذا لم يأتِ بجمهوره معه.

كيف تفسر ضعف حضور القصة في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية؟كيف تفسر ضعف حضور القصة في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية؟

كيف تفسر ضعف حضور القصة في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية؟

اعتقد أن استسهال كتابة  القصة القصيرة  من أسباب ضعف التلقي، فمن الصعب التنقيب عن الجيد في ركام الرديء، فقد أصبحت القصة في السرد مثل بحر الرجز في الشعر، فكثر الإنتاج وقلَّت الجودة، واختلطت الأسماء..

وكان يمكن تجاوز هذه العوائق بوجود نقاد متابعين، وملاحق أدبية تمحِّص وتنشر الجيد، ولكن ذلك كله أصبح قليلاً، بل أقل من القليل.

لديك عدم اقتناع بالنقد والنقاد، وهذا من سنوات وليس جديداً، هل تغيرت قناعتك في النقد وأهله وما التعليل؟

لديك عدم اقتناع بالنقد والنقاد، وهذا من سنوات وليس جديداً، هل تغيرت قناعتك في النقد وأهله وما التعليل؟

وضعت حكمًا مسبقًا لا أوافقك عليه، فالنقد مهم ولا أقلل من أهميته، وخاصةً بمفهومه الواعي؛ الذي لا يعتمد على إصدار الأحكام بل يسبر أغوار النص، ويحلله، ويُنَقِّب فيه عن مكامن الجمال، وينبِّه على العيوب..

ولكن الذي أقوله أن على المبدع ألا يتحول إلى حارس لأعماله الناجزة، وإنما يترك للقراء والنقاد أن يقولوا عنها ما شاؤوا، وينشغل بما هو أجدى من ذلك؛ بتطوير أدواته الفنية، وتجويد أعماله التالية، والاستفادة من رؤى النقاد فيما يرتقي بعمله.

في المشهد الأدبي، هناك المكرس والمشهور في المشهد، هناك الاسم المعروف والنص غير المعروف كيف ترى هذين الأمرين؟

في المشهد الأدبي، هناك المكرس والمشهور في المشهد، هناك الاسم المعروف والنص غير المعروف كيف ترى هذين الأمرين؟

تلك ثنائياتٌ لا أحسب أن مشهدًا ثقافيًا يخلو منها، والشهرة في جزء منها حظوظ، ولكن على المبدع الجاد أن يتصل بإنتاجه، ويعكف على نصه، ولا ينشغل بيوميات المشهد الثقافي، ولا ظواهره فهذا سيصرفه عن الانشغال بما يطور أدواته، ويجوِّد عمله، ويتحول إلى جوٍ مشحون بالنمائم الثقافية، والقيل والقال وإن ارتدت رداء الثقافة.

اليوم تشهد الرواية صعوداً مستمراً، ما قولك في الروايات التي برزت مؤخراً؟

الرواية كسائر الأعمال الأدبية فيها الجيد والرديء، وسؤال كهذا يمكن أن يجيب عنه ناقد يتابع كل ما يُنشر أو أكثر ما ينشر على الأقل..

غير أني أفرق بين الرواية التي تميزت من داخلها بموضوعها، ولغتها، وتقنياتها الفنية، وتلك التي رفعها حشود المتابعين في وسائل التواصل، فهذا الاصطفاف جاء لتوقيع الكاتب لا لقيمة الرواية، وحينها تغدو الرواية مجرد (أوتوجراف) لا عمل إبداعي..

لماذا هناك عزوف واضح للمثقف في المناسبات الثقافية؟

هذا الحكم يحتاج إلى استقراء، ومعرفة عدد المناسبات وعدد الحضور، وعدد المعتذرين أو الغائبين، ومقارنتها من عام إلى عام؛ فيكون الحكم أقرب إلى الدقة، وحينها يكون قابلاً للتحليل والدراسة، وتوقع الأسباب، ولا أملك آلية لذلك..

هل هناك قصص سعودية تستحق أن تتحول إلى عمل درامي؟

لا شك أن كثيرًا من الأعمال القصصية والروائية قابلة لأن تحوَّل إلى عملٍ درامي، ولكنها تحتاج إلى عوامل أخرى، تُسهم في إنجاح مشروع من هذا القبيل، وليست ملاءمة العمل فقط؛ فمَن يكتشف العمل الجيد؟ ومَن يحوله إلى سيناريو؟، ومَن ينتجه؟ ومَن يمثله؟ وأكاد أقول: مَن يُشاهده؟!

كل هذه أمورٌ مؤثرة تؤدي في مجموعها إلى نجاح مشروع  من هذا النوع أو إخفاقه.

الكثيرون اليوم يُطلق عليهم "أديب" بينا هم لا تاريخ ولا عطاء أدبي، وضعت أنت تعريفاً دقيقاً لمصطلح الأديب، حدثنا عنه؟

لعلك تقصد ما تحدثت به في كتابي شرفة زرقاء عن حياة الأديب؛ إذ رأيت أن حياة الأديب تتشكل في فضاء له ثلاثة أضلاع؛ فقلتُ: "تقوم حياةُ الأديب على: التأمل، والقراءة، والكتابة؛ وكلما كان تأمله عميقًا، وقراءته متفكِّرةً، وصوتُه هادئًا، كان إبداعه أنقى، وأثره أبقى".

وما قصدت بذلك وضع تعريف للأديب، وإنما تصور عن طبيعة حياة الأديب الحقيقي، المخلص للفن الذي يشكل من خلاله إبداعه.

ولا تحفُّظَ لديَّ على التسميات، فالعبرة بما يتركه الإنسان من أثرٍ أدبي قابل للبقاء والتأثير.

حققت رواية "فراغ مكتظ" شهرةً واسعة وحضوراً لافتاً، في رأيك ما سبب ذلك؟

أرجو أن يكون هذا لأنها جديرة بذلك، أما أنا فليس لدي ما أعزو إليه هذا التلقي الحسن، بالرغم أني أعتقد أن روايتَيَّ: (جبل حالية) و(عتق) حظيتا بمقروئية وانتشار، وتناولتها دراسات وأطروحات جامعية، ونالتا جوائز، لم تبلغه رواية (فراغ مكتظ) حتى اليوم، وما يزال الوقتُ أمامها لتحقق كل ذلك بإذن الله.   

حدثنا عن أجواء الكتابة الخاصة بك، وأين تجد نفسك أكثر: في القصة، أم الرواية، أم الكتابات الفكرية؟

كلُّ ما احتاجُه للكتابة هو الرغبة، والاستعداد النفسي، فإذا توافر هذان العنصران فإن كلَّ الظروف تغدو متاحةً للكتابة، ويصبح صنع الأجواء ممكنًا.

أما تعدد المجالات فلكل مجال دوافعه التي تجعله الأحب والأقرب إلى نفسي لحظة الكتابة، لكن القصة تبقى الملاذ الآمن.

أيُّ مؤلفاتك الفكرية تعتز بإنجازه ولماذا؟

وقفتُ أمام هذا السؤال مليًّا فظهر لي أن كتبي ما لم تكن سردًا: (قصة ورواية) فهي أقرب إلى الأدب منها إلى الفكر، مع الأخذ في الاعتبار التداخل بين الفكر والثقافة والأدب.

وفي العموم كتاب (رادة التعليم في ألمع) يشعرني بالانتصار لذلك الجيل الذي بذل كثيرًا وجنى القليل، أو لم يجنِ شيئًا، وإن تقاصر الجهد عن الإحاطة بكل معلمي المعلامات والمدارس القديمة فحسبي الاجتهاد، وإن لم نعرف كثيرًا من أولئك المعلمين الرواد فإن الله يعرفهم ويجزيهم، فهو سبحانه لا يُضيعُ أجر من أحسن عملاً.

مَن مِن الروائيين والقاصين في المملكة تحرص على متابعتهم ولماذا؟

أحاول قدر استطاعتي ووقتي الاطلاع على الأعمال البارزة في المشهد دون تقصد اسمٍ بذاته. فيما مضى كنتُ لا أتصور أن يصدر عملٌ يحمل اسم القصيبي (رحمة الله عليه) الا اقتنيته، مهما كان موضوعه، فلمَّا رحل لم أعد أتقصد كل ما يصدر عن كاتبٍ واحد في مجال ما؛ سواء القصة أو الرواية، أو غيرهما، ولكنني أقرأ ما يتيسر لي الاطلاع عليه، أيًّا كان كاتبه، فإن وجدتُ فيه ما يشدني أو عدلتُ عنه إلى غيره، ويمكنني أن أستدرك؛ إن قاصًا مثل محمد الراشدي يشدني ما يكتب، ولا أتردد في اقتناء ما يصدر له من أعمال قصصية..

ما رأيك في الجوائز الأدبية؟ وهل تحرص على المشاركة فيها؟

في عالمنا العربي تُعدُّ الجوائز أهم وسائل الاعتراف بالكاتب، ولفت الأنظار إلى عمله، وذلك دورٌ كان يمكن أن يؤديه ناقدٌ مرموق، أو مراجعة عمله في مجلةٍ أو جريدة، أو ندوةٍ في جامعة، أو منتدى، فحين تغيب هذه المنابر لم يبقَ للمبدع سوى الجوائز؛ ولذلك يتهافت عليها الكتاب.

وحين تنطبق شروط جائزةٍ موثوقة على شيء من أعمالي الناجزة، فلا أجدُ غضاضةً في تقديمه إليها.

وماذا عن جائزة جمعية الأدب المهنية؟ وهي من آخر الجوائز، وقد كانت روايتك (فراغ مكتظ) ضمن القائمة القصيرة، وذهبت الجائزة لرواية أخرى؟

جائزة جمعية الأدب تجربة مهمة، وخطوة أولى على هذا الطريق، وأرجو أن تصقلها السنوات وتنضجها، ويمنحها تراكم التجربة أهميةً ودقةً أكبر، وأرجو أن تتوسع لتشمل مجالات أخرى، فلا تبقى قاصرةً على الرواية والشعر والدراسات.

 أما ما يتعلق بفوز رواية (إهانة غير ضرورية) بالجائزة، فقد قرأت الرواية ووجدتُ فيها عملاً جديرًا بأي جائزة، وأحسبُ أن المحكمين قد أنصفوها بأمانة.

 وأحسبُ لو أن الكاتب عمل بتقنية الأصوات المتعددة؛ فأبرز صوت الأم في البداية، وصوت الشيخ قسم، وصوت الأم أمونة، وصوت الشيخ يوسف، أحسبُ أنه لو استنطق هذه الأصوات إلى جوار صوت البطل (آدم) لكانت هذه الرواية واحدة من الروايات المنافسة على مستوى الجوائز العربية.

كلمتك للروائيين والقاصين الشباب؟

القراءة ثم القراءة، ثم التريث وعدم الاستعجال، وقراءة تجارب السابقين مع الكتابة، وما منحوها من أعمارهم، قبل أن تمنحهم تلك الأسماء الكبيرة في ميدان الأدب.