المصدر : النهار
التاريخ: ٠٣ نوفمبر-٢٠٢٦       5610

 بقلم - معاذ حجازي
ليس كل ما نحبه يستحق أن نفقد أنفسنا لأجله وليس كل من سكن قلوبنا ينبغي أن نمنحه مفاتيح سعادتنا وراحة بالنا فثمة فرق كبير بين أن تحب إنساناً فتجد في قربه طمأنينة وبين أن تتعلق به حتى يصبح غيابه اضطرابا وصمته قلقا وتغير مزاجه سببا كافياً لأن يتغير يومك بأكمله ،
ثمة أشخاص لا يعرفون أنهم تجاوزوا حدود المحبة إلى التعلق إلا حين يجدون أنفسهم في مواجهة أسئلة لا تنتهي ، لماذا تأخر في الرد؟ لماذا تغيرت نبرة حديثه؟ هل أخطأت في حقه؟ هل لم أعد مهماً كما كنت؟ أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة لكنها حين تتكرر تتحول إلى ضجيج داخلي يستنزف الروح ويجعل الإنسان أسيراً لتفاصيل لا يملك السيطرة عليها .
المشكلة ليست في أن نحب ولا في أن نشتاق ولا في أن نشعر بالحزن حين نفقد شخصاً عزيزا فهذه مشاعر إنسانية لا يمكن أن نجرد أنفسنا منها ، إنما المشكلة حين نربط قيمتنا بمدى اهتمام الآخرين بنا ونقيس مكانتنا في قلوبهم بحجم ما يمنحوننا من وقت وننسى أن لنا حياة تستحق أن تُعاش وأحلاماً تستحق أن تُستكمل وذواتاً لا ينبغي أن تُهمل في سبيل الاحتفاظ بأحد .

المؤلم في التعلق أنه لا يأتي دائماً بصورة واضحة فقد يبدأ باهتمام جميل ومشاعر صادقة ورغبة في القرب ثم يتسلل شيئاً فشيئاً إلى تفاصيل الحياة فيصبح الإنسان منشغلاً بمن يحب أكثر من انشغاله بنفسه ، ينتظر رسالته ويراقب حضوره ويعيد قراءة كلماته ويحاول أن يجد في كل تصرف تفسيراً يطمئنه أو يزيد من قلقه وهنا تكمن المفارقة ، قد يكون الشخص الذي نمنحه كل هذا الحضور الذهني يعيش يومه بصورة طبيعية بينما نحن نعيش يومنا كاملاً في انتظار لحظة منه ،
ولنتأمل مشهداً يتكرر في كثير من العلاقات ، شخص يعتذر عن لقاء فيشعر الآخر أنه لم يعد مرغوبا وآخر يتأخر في الرد فيبدأ الطرف المقابل بمراجعة كل ما قاله وفعله وثالث يختار الابتعاد قليلا فيجد من يتعلق به نفسه عاجزاً عن ممارسة حياته بصورة طبيعية ، قد تتأثر علاقته بأسرته ويقل تركيزه في عمله وتتراجع قدرته على الاستمتاع بأشياء كانت تمنحه السعادة ، لا لأن الحياة توقفت فعلا بل لأنه جعل جزءاً كبيراً منها معلقاً على حضور شخص آخر .
وفي المقابل ، ثمة من يعتقد أن شدة التعلق دليل على صدق المحبة وأن الغيرة المفرطة والقلق المستمر والخوف من الفقد مظاهر لا يمكن أن توجد إلا في قلب يحب بصدق متناسياً أن المحبة لا تعني أن نعيش في حالة استنفار دائم وأن صدق المشاعر لا يُقاس بحجم الألم الذي نتحمله وأن العلاقة التي تجعل الإنسان يفقد سلامه الداخلي تحتاج إلى مراجعة لا إلى مزيد من التنازلات .
ولعل أكثر ما يؤلم في التعلق أن الإنسان قد يبدأ بالتنازل عن أشياء كانت تمثل جزءًا من شخصيته ، يغير رأيه حتى لا يخسر أحدا ويؤجل رغباته حتى لا يزعج أحدا ويعتذر عن مشاعر لم تكن خطأ ويقبل ما لا يرضيه خوفاً من أن يكون البديل هو الغياب ومع مرور الوقت قد لا يخسر الشخص الذي تعلق به فحسب بل يخسر شيئاً من نفسه أيضا حتى إذا انتهت العلاقة وجد نفسه أمام فراغين فراغ من رحل وفراغ أكبر صنعه حين أهمل ذاته ، وهنا لا بد أن ندرك أن التعلق ليس دائماً ضعفا ولا يعني أن كل من خاف الفقد يعاني مشكلة نفسية فالتجارب الإنسانية تختلف وبعض العلاقات تترك في النفس آثاراً عميقة لا يمكن تجاوزها بسهولة لكن الوعي يبدأ حين ننتبه إلى أن مشاعرنا مهما كانت صادقة لا ينبغي أن تتحول إلى عبء يسرق منا القدرة على العيش وأن طلب الطمأنينة من الآخرين أمر طبيعي لكن استجداءها بصورة دائمة قد يجعلنا أكثر هشاشة أمام كل تغير يطرأ على العلاقة .

إن استعادة التوازن لا تعني أن نصبح قساة أو أن نتعامل مع الناس ببرود أو أن نتوقف عن منح مشاعرنا لمن يستحقها بل أن نتعلم كيف نحب دون أن نفقد أنفسنا وكيف نشتاق دون أن نهمل حياتنا وكيف نمنح الآخرين مساحة دون أن نشعر أن ابتعادهم المؤقت تهديد لوجودنا ، أن نعرف أن لنا قيمة لا تتغير بتغير مزاج أحد وأن سعادتنا لا ينبغي أن تكون رهينة رسالة أو اتصال أو وعد قد لا يتحقق فليس من الحكمة أن نجعل شخصاً واحدا مسؤولًا عن كل ما نشعر به وليس من العدل أن نحمّله وحده مهمة ترميم كل ما بداخلنا كما أنه ليس من الوفاء لأنفسنا أن نعيش في انتظار من لا يمنحنا إلا القلق فالعلاقات الصحية لا تلغي الإنسان بل تمنحه مساحة ليكون أكثر اتزانا ولا تجعله يخشى التعبير عن مشاعره بل تمنحه الأمان ليكون على حقيقته .

وفي نهاية المطاف لعلنا بحاجة إلى أن نتذكر أن بعض الأشخاص قد يكونون جزءاً جميلاً من حياتنا لكنهم ليسوا الحياة بأكملها وأن الرحيل مهما كان مؤلما لا يعني أن كل ما تبقى قد انتهى وأن القلب الذي تعلق بصدق يستطيع أن يتعلم كيف يحب من جديد وكيف يضع نفسه في المكان الذي تستحقه فلا تجعل قلبك بيتاً يسكنه الآخرون وتنسى أنت الطريق إلى بابك ،
أحبّ بصدق وامنح بكرم واشتق كما تشاء لكن لا تجعل سعادتك رهينة أحد فبعض ما نحتاج إلى استعادته بعد كل علاقة ليس شخصاً رحل بل أنفسنا التي تركناها طويلاً في انتظاره .