الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ اكتوبر-٢٠٢٦       5005

بقلم - د. علي بن عالي السعدوني
قال تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ .
من أعظم ما نتعلمه من هذا الحوار القرآني أن السؤال ليس خروجًا عن الأدب ولا اعتراضًا على صاحب العلم، فقد سأل الملائكة ربهم عن الحكمة من خلق آدم عليه السلام سؤال استعلام واستكشاف لا سؤال إنكار واعتراض، وهم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فجاءهم الجواب الإلهي: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم كشف الله لهم جانبًا من الحكمة بتعليم آدم الأسماء وعرضها عليهم، وفي هذا الحوار العظيم معنى تربوي يستحق أن يتأمله كل معلم ومربٍ، وهو أن العقل لا ينمو بإغلاق أبواب السؤال ولا تتكون المعرفة بإرغام المتعلم على التسليم لكل ما يسمعه دون فهم لأسبابه وإدراك لوجوه الاستدلال عليه.
ولعل من أكثر ما أضر بالتعليم تلك النظرة التي تجعل سؤال الطالب اختبارا لهيبة المعلم، وكأن المعلم يفقد شيئًا من مكانته إذا سأله أحد طلابه عن الدليل أو استوقفه عند فكرة لم تتضح له، فتتحول بعض الفصول إلى مجالس لتلقي الأحكام وحفظ العبارات وترديد الإجابات التي يريدها المعلم، ويصبح الطالب المتفوق في نظر بعضهم هو الذي يحفظ الكلام كما سمعه ولو عجز عن تفسيره، أما الطالب الذي يناقش ويبحث عن العلة ويطلب البرهان فقد يُنظر إليه بوصفه كثير الجدل أو قليل الأدب مع أن هذا الطالب قد يكون أقرب إلى حقيقة التعلم من زميله الذي يملأ أوراق الاختبار بالإجابات الصحيحة دون أن يدرك الطريق الذي أوصله إليها.
إن المعلم الذي يقول لطلابه إن هذه المسألة صحيحة لأنني قلت ذلك لا يربي في نفوسهم احترام العلم، وإنما يربي فيهم الخضوع لسلطة المتحدث مهما كانت قيمة كلامه، والمعلم الذي يغضب من عبارة (ما الدليل؟) يرسل إلى طلابه رسالة خطيرة مفادها أن المعرفة مرتبطة بالأشخاص لا بالحجج، وأن عليهم أن يصدقوا قبل أن يفهموا وأن يحفظوا قبل أن يناقشوا، وهذه التربية قد تصنع طلابًا مطيعين داخل الفصل لكنها لا تضمن صناعة عقول تستطيع التمييز بين الحقيقة والوهم إذا خرجت إلى الحياة وواجهت آراء متعارضة وأفكارًا متزاحمة وأصواتًا تتنافس على إقناعها.
ولا أريد بهذا أن يصبح الفصل ساحة للجدل الذي لا ينتهي أو أن يتساوى سؤال الباحث عن الحقيقة مع سؤال المتعنت الذي لا يريد إلا إرباك معلمه، فالتعليم يحتاج إلى نظام يحفظ للمعلم مكانته ويصون وقت المتعلمين ويمنح السؤال حقه من العناية دون أن تتحول الحصة إلى نقاش لا غاية له  غير أن المحافظة على النظام شيء ومصادرة التفكير شيء آخر، والمعلم المتمكن يعرف كيف يستقبل السؤال الصعب ويعيد صياغته ويقود طلابه إلى اكتشاف الجواب، وقد تكون عبارة (لا أعلم وسأبحث عن الإجابة) أشرف في ميزان التربية من جواب مرتجل يخفي به المعلم نقص معرفته ويترك في أذهان طلابه معلومة خاطئة.
وأرى أن من أول الواجبات العلمية التي تستحق أن تُغرس في وجدان المعلمين والمربين ألا يُقدَّم رأي على أنه حقيقة دون دليل يسنده، وألا تُطرح مسألة تحتاج إلى تفسير دون بيان علتها ووجه الاستدلال عليها، فالطالب لا يحتاج إلى معرفة النتيجة وحدها وإنما يحتاج إلى فهم الطريق الذي قاد إليها، ولا يكفي أن نخبره بأن هذا الحكم صحيح أو أن تلك الفكرة خاطئة ما دمنا قادرين على تعليمه كيف يزن الأقوال ويفحص الأدلة ويميز بين المسائل القطعية والاجتهادات التي تتسع للاختلاف؛ لأن الغاية من التعليم ليست أن يستعير المتعلم عقل معلمه طوال حياته وإنما أن يمتلك القدرة على استعمال عقله استعمالًا رشيدًا بعد أن يغادر مقعد الدراسة.
وما أحوجنا إلى معلم يفرح إذا رأى طالبًا يراجعه بأدب ويستوقفه بدليل ويكشف له وجهًا لم ينتبه إليه، فالمعلم الكبير لا تقاس قيمته بعدد الطلاب الذين يصمتون أمامه وإنما بقدرته على أن يترك فيهم شجاعة التفكير وأمانة البحث واحترام الحقيقة، وقد ينسى الطالب كثيرًا مما حفظه في سنوات الدراسة لكنه لن ينسى معلمًا أعطاه الثقة في عقله وعلّمه أن السؤال المؤدب ليس عيبًا وأن الاعتراف بالجهل ليس نقصًا وأن مراجعة الرأي عند ظهور الدليل فضيلة لا هزيمة.
وليس من الإنصاف أن نطالب أبناءنا بالإبداع ثم نضيق بأول سؤال يخرج عن المألوف، أو أن نحدثهم عن التفكير الناقد ثم نطلب منهم أن يقبلوا آراءنا دون مناقشة، أو أن نشتكي ضعف قدراتهم على التحليل والاستنتاج ونحن نقدم لهم المعرفة في صورة أجوبة نهائية لا يعرفون أسبابها ولا يدركون مقدماتها، فالعقل الذي اعتاد أن يتلقى دون فهم سوف يجد صعوبة في التفكير مستقلًا، أما العقل الذي تربى على السؤال المنضبط بالدليل فسوف يحمل معه من المدرسة ما هو أثمن من درجات الاختبارات وشهادات التفوق.
إن أعظم ما يتركه المعلم في طلابه ليس أن يقولوا بعد سنوات: لقد علّمنا كل شيء، وإنما أن يقولوا: لقد علّمنا كيف نفهم الأشياء، وكيف نبحث عن أدلتها، وكيف نختلف دون أن نفقد أدبنا، وكيف نحترم معلمنا دون أن نتخلى عن عقولنا.