ثمة أشياء في حياتنا لا تؤلمنا لأنها رحلت بل لأننا منحناها من قلوبنا أكثر مما تحتمل وربطنا بها من سعادتنا أكثر مما ينبغي حتى أصبح غيابها قادرًا على إرباك أيامنا وتعكير أمزجتنا وسرقة الطمأنينة من تفاصيل كانت يومًا عادية .
إنه التعلّق ، ذلك الشعور الذي يبدأ غالبًا بصورة جميلة فيمنحنا الدفء ويشعرنا بأن للحياة معنى مختلفًا ثم يتسلل إلينا بهدوء حتى يصبح وجود شخص أو اهتمامه أو حتى رسالة عابرة منه مقياسًا لرضانا عن أنفسنا وعن يومنا كله .
نفرح حين يقترب ونقلق حين يتأخر ونبحث في نبرة صوته عن إجابة وفي صمته عن تفسير وفي تغير أسلوبه عن سبب لا نعرفه .
نراجع الكلمات ونستعيد المواقف ونصنع من الاحتمالات حكايات طويلة ، بينما الطرف الآخر ربما يمضي يومه بصورة طبيعية دون أن يعلم أن غيابه احتل مساحة واسعة من تفكيرنا .
وهنا تبدأ المشكلة ، حين لا يعود الإنسان يعيش مشاعره بل يصبح أسيرًا لها .
ليس مؤلمًا أن تحب ولا عيبًا أن تشتاق ولكن المؤلم أن تفقد نفسك وأنت تحاول ألّا تفقد أحدًا فالتعلّق المفرط لا يسرق منا راحتنا فحسب بل يجعلنا أحيانًا نتنازل عن أشياء كنا نؤمن بها ونتغاضى عن مواقف كانت تؤذينا ونبرر الإهمال ونقبل بالقليل خوفًا من خسارة الكثير الذي تخيلناه في داخلنا وقد نصل إلى مرحلة نراقب فيها هواتفنا أكثر مما نصغي إلى أنفسنا وننتظر اهتمام الآخرين أكثر مما نهتم بسلامنا الداخلي والأشد قسوة أن نربط قيمتنا بطريقة تعامل الآخرين معنا فإذا اهتموا شعرنا بأننا نستحق الحب وإذا انشغلوا شككنا في مكانتنا وإذا ابتعدوا بدأنا نفتش في أنفسنا عن عيب ربما لم يكن موجودًا أصلًا لكن الحقيقة التي نحتاج إلى تذكّرها دائمًا هي أن انشغال الآخرين لا ينتقص من قيمتنا وأن تغيّر مشاعرهم لا يعني بالضرورة أننا أقل استحقاقًا للحب وأن رحيل أحدهم لا يحوّل ما فينا من جمال إلى نقص .
لسنا مسؤولين عن إبقاء الجميع في حياتنا ولا نستطيع أن نضمن بقاء أحد مهما أخلصنا له فالعلاقات لا تُحفظ بالخوف ولا تستقيم بالملاحقة ولا يصبح الحب أكثر صدقًا كلما ازداد ما نقدمه من تنازلات على حساب أنفسنا .
بعض العلاقات لا تستنزفنا لأن أصحابها سيئون بالضرورة بل لأننا ننتظر منها أكثر مما تستطيع أن تمنحنا ونحمّلها مسؤولية سعادتنا كاملة ولعل أصعب ما في التعلّق أننا لا نتعلق بالشخص وحده بل بالصورة التي رسمناها معه وبالمستقبل الذي تخيلناه وبالتفاصيل التي تمنينا أن تستمر ، لذلك لا يكون الفراق أحيانًا فراق إنسان فقط بل وداعًا لأحلام كثيرة بنيناها في صمت ووعود لم تحدث ولحظات عشناها في خيالنا قبل أن نعيشها في الواقع ، ومع ذلك فإن التعافي ممكن وإن احتاج إلى وقت وصبر ، يبدأ حين نتوقف عن جعل يومنا رهينة لرسالة أو مزاجنا تابعًا لاهتمام أو قيمتنا معلقة بقبول أحدهم ويبدأ حين نستعيد حياتنا التي أهملناها ونقترب من أهلنا وأصدقائنا ونمنح أنفسنا حقها في الراحة والعمل والفرح ونتعلم أن نحب دون أن نذوب وأن نشتاق دون أن نهمل أنفسنا وأن نحزن دون أن نسمح للحزن بأن يصبح هويتنا ولا يعني ذلك أن نصبح قساة أو أن نغلق أبواب قلوبنا أو أن نتعامل مع المشاعر وكأنها ضعف على العكس ، النضج العاطفي أن نمنح الحب مكانه الجميل في حياتنا دون أن نجعله الحياة كلها وأن نقترب من الآخرين برغبة صادقة لا بخوف دائم من فقدانهم فمن حقنا أن نحب ومن حقنا أيضًا أن نشعر بالأمان ومن حقنا أن نشتاق ومن حقنا ألّا نقضي أعمارنا في انتظار من لا يلتفت إلينا ومن حق الآخرين أن يختاروا مسافاتهم كما أن من حقنا أن نختار ألّا نبقى في علاقة تستنزف أرواحنا .
إن السلام الحقيقي لا يأتي من ضمان بقاء كل من نحب فذلك أمر لا نملكه بل من إدراك أننا نستطيع مواصلة الحياة حتى حين تتغير الأشياء وأن قلوبنا مهما أتعبها التعلّق قادرة على استعادة توازنها .
وفي نهاية المطاف ربما لا نحتاج إلى أن نتعلم كيف نتوقف عن الحب بقدر ما نحتاج إلى أن نتعلم كيف نحب دون أن نخسر أنفسنا .
أحبوا بصدق وامنحوا من تحبون أجمل ما فيكم لكن اتركوا في قلوبكم مساحة لكم أيضا فليس من العدل أن تمنحوا الآخرين كل الطمأنينة ثم تعودوا إلى أنفسكم مثقلين بالقلق ، فأجمل العلاقات ليست تلك التي تجعلنا نخاف من الفقد في كل لحظة بل تلك التي تمنحنا شعورًا بالأمان وتجعلنا أكثر اتزانًا وأكثر قدرة على الحياة لا أقل قدرة عليها .