المصدر : بقلم - ياسين سالم 
التاريخ: ٢٠ اكتوبر-٢٠٢٦       3630

تصنع الكلمة وعيًا، وقد يصنع تكرارها روايةً تستقر في الأذهان حتى تتقدم على الوقائع. من هنا تأتي ضرورة التدقيق في بعض التناول الإعلامي المصري لعبارة “الدفاع عن السعودية”، حين تتحول من تعبير عن التضامن إلى تصوير يوحي بأن المملكة تنتظر من يتولى مسؤولية أمنها، ويتراجع خلفه الحديث عن المصالح المشتركة وأصل الأزمة اليمنية.

تستحق مواقف القيادة المصرية الداعمة للمملكة التقدير، وقد أكد بيان مجلس الدفاع الوطني المصري، الصادر في 18 أكتوبر، مساندة أمن السعودية واستقرارها وسلامة أراضيها. وهذه دلالة أوسع من حماية الملاحة وحدها، ينبغي نقلها بأمانة، مع التمييز بين إعلان الموقف السياسي، وتحديد مهمة عسكرية، وتنفيذها فعليًا.

لكن إعلان الاستعداد للتحرك “إذا طُلب” لا يثبت بمفرده صدور طلب سعودي، ولا يجيز بناء رواية عن تدخل بدأ بالفعل. 
كذلك فإن طلب التفويض البرلماني يختلف عن إقراره، وكلاهما يختلف عن انتشار القوات،وقد أفادت رويترز، في 19 أكتوبر، بتأجيل التصويت المصري إلى 26 أكتوبر، ما يجعل الدقة واجبة في وصف المرحلة التي بلغتها الإجراءات.

يمثل باب المندب مصلحة استراتيجية تتجاوز حدود دولة واحدة، فهو المدخل الجنوبي للطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس، وشريان تتصل به تجارة الدول المشاطئة وموانئها،لذلك فإن حماية الملاحة فيه تخدم الأمن القومي المصري والسعودي واليمني، وسائر المصالح المرتبطة بهذا الممر، وأي مساهمة في تأمينه تحمل منفعة مباشرة للدولة المشاركة، إلى جانب مسؤوليتها تجاه الأمن المشترك.

لهذا، يحتاج الخطاب الإعلامي إلى لغة تُظهر الشراكة بحجمها الحقيقي، فالمصلحة المشتركة تفسر التعاون وتمنحه أساسًا مستدامًا، والتضامن بين الأشقاء يزداد قيمة حين يُقدَّم باحترام متبادل، وتُذكر فيه مسؤوليات الدول وقدراتها وحقوقها السيادية بوضوح.

تقتضي الدقة أيضًا ضبط مسميات الأطر الإقليمية، فهناك “مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن”، الذي وُقّع ميثاق تأسيسه في الرياض عام 2020، بمشاركة السعودية ومصر واليمن ودول أخرى، لتعزيز التعاون والأمن والاستقرار. ولا يكفي وجود هذا المجلس لافتراض قيادة عمليات عسكرية موحدة، أو التزامات قتالية تلقائية لكل أعضائه.

كما يجب التمييز بين هذا المجلس، والتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، وتحالف دعم الشرعية في اليمن، فتقاطع العضوية لا يجعل الأطر متطابقة، ولا يحدد وحده طبيعة أي تحرك محتمل،والمهمة العسكرية تُفهم من إعلانها الرسمي، وأهدافها ونطاقها وترتيبات التنسيق الخاصة بها، لا من الاستنتاجات المتداولة في البرامج والمنصات.

أما اليمن، فلا يستقيم اختزاله في عبارة “حرب بين السعودية واليمن”، فدعم المملكة للشرعية انطلق استجابة لطلب الرئيس اليمني، ومساندةً للدولة في مواجهة الانقلاب الحوثي. كما أن مصر شاركت في التحالف منذ عام 2015، وهو سياق ينبغي تذكره عند مناقشة المواقف الراهنة، مع تجنب افتراض أن أي مساهمة جديدة ستتخذ بالضرورة المهمة نفسها.

تظل الحكومة اليمنية الشرعية وجيشها الوطني طرفًا أصيلًا في استعادة مؤسسات الدولة، ويؤدي تغييب هذا الحضور إلى تشويه فهم القضية، وإذابة الفارق بين اليمن وشعبه، وبين الميليشيات الحوثية الأرهابية ومشروعها المسلح.

تملك السعودية قرار حماية أمنها، وتحدد قيادتها مقتضيات التعاون مع الأشقاء والحلفاء، ويتجسد هذا الاستقلال في اختيار الشراكات، وتقدير الحاجة إليها، وتحديد أهدافها،فقد تحملت المملكة مسؤوليات كبيرة في استقرار محيطها، ويستحق دورها أن يُقرأ بإنصاف، كما تستحق مواقف مساندتها أن تُذكر بتقدير.

يبقى المطلوب إعلامًا يصون الحقيقة والعلاقات معًا، ويمنح التضامن معناه المسؤول، فباب المندب أمنٌ مشترك، والتعاون فيه مصلحة متبادلة، أما القرار السعودي فيظل سياديًا مستقلًا، تصوغه قيادة المملكة وفق مصالح وطنها ومسؤولياتها.