الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ اكتوبر-٢٠٢٦       2585

بقلم: المحامي مفرح بن عبد المحسن الفالح

حين تشتد الأزمات، تستدعي الشعوب من ذاكرتها ما يعزز ثباتها ويوقظ مشاعر عزتها. وللسعوديين ذاكرة شعرية حافلة بقصائد تجاوزت زمن إنشادها، وأصبحت حاضرة في الوجدان الوطني، تتردد كلما تعاظمت التحديات، وتستحضر معاني الوفاء للقيادة والاعتزاز بالوطن وشرف الدفاع عن مقدساته.

ويتقدم هذه الذاكرة شاعر الوطن خلف بن هذّال العتيبي، الذي ارتبط شعره بالمواقف الوطنية الكبرى، ولا سيما أزمة الخليج عام 1990م، حين كانت القصيدة الحماسية لسانًا يعبر عن مشاعر السعوديين ومواقفهم.

وحين يقول:

»والمملكة في حمانا حيث ما كنا«

فإنه يختصر مفهوم الانتماء الذي يتجاوز العاطفة إلى المسؤولية، وهو معنى قررته المادة التاسعة من النظام الأساسي للحكم، التي قرنت حب الوطن والاعتزاز بتاريخه باحترام النظام، وأكدته المادة الثانية عشرة التي جعلت تعزيز الوحدة الوطنية واجبًا.

وتبلغ الحماسة ذروتها حين يقول:

»صنّا المشاعر عن أشرار الملا صنّا«

فهذه الكلمات تستحضر شرف المسؤولية التي تضطلع بها المملكة العربية السعودية في خدمة الحرمين الشريفين وحماية قاصديهما.

وقد جسدت المادة الرابعة والعشرون من النظام الأساسي للحكم هذه المسؤولية، وقررت المادة الثالثة والثلاثون تجهيز القوات المسلحة للدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن، فيما أكدت المادة الرابعة والثلاثون واجب الدفاع عن العقيدة والمجتمع والوطن.

وفي المعنى ذاته، يقول صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز:

»فارس وأجدادك فوارس

وأصبحت لبيت الله حارس«

وهنا يلتقي الاعتزاز بالتاريخ السعودي مع شرف خدمة بيت الله الحرام؛ فالقصيدة لا تستحضر أمجاد الماضي فحسب، بل تؤكد مسؤولية الحاضر تجاه المقدسات.

وتتجدد هذه المعاني في الأبيات التي يستحضر فيها الشعراء نخوة أهل العوجا، وهي النخوة التاريخية المرتبطة بالدولة السعودية:

»هل العوجا ليا اصتك الحلق وانفضت الأخصام

تفوح للحريب وطيبها من طيب أولاها«

وتحمل هذه الأبيات معنى الثبات واستحضار التاريخ، وهو ما يفسر استمرار حضور نخوة العوجا في الوجدان السعودي بوصفها رمزًا للفخر والاعتزاز.

وقد تجلت أهمية هذه المعاني في مواجهة الاعتداءات الحوثية المتتابعة على المملكة العربية السعودية.

ففي أكتوبر 2016م، أعلنت قيادة التحالف اعتراض صاروخ باليستي باتجاه منطقة مكة المكرمة، وفي نوفمبر 2017م اعترضت الدفاعات الجوية صاروخًا باتجاه الرياض، ثم استُهدف مطار أبها الدولي في يونيو 2019م، وأسفر الهجوم عن إصابة ستة وعشرين مدنيًا، وامتدت الاعتداءات إلى منشآت الطاقة في جدة وجازان خلال عامي 2020م و2022م.

وفي التاسع والعشرين من سبتمبر 2026م، استهدفت الميليشيا الحوثية محطة – طيبة - لتوزيع الكهرباء بالمدينة المنورة، وهي منشأة مدنية تقدم خدمات الكهرباء للمسجد النبوي الشريف.

وأعلن المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، أن التحقيقات وفحص حطام الطائرة المسيّرة أثبتا تورط الميليشيا في التخطيط للهجوم وتنفيذه، وأن الاعتداء تسبب في خروج أحد المحولات عن الخدمة دون تأثر الشبكة الكهربائية.

وفي الخامس عشر من أكتوبر 2026م، أعلن التحالف تعرض مطار الملك خالد الدولي بالرياض لعشرين اعتداءً منذ بداية الشهر، أسفرت عن سبع عشرة وفاة وثلاثمائة وثلاث وثلاثين إصابة، فضلًا عن محاولات استهداف منشآت ومرافق حيوية أخرى.

إن الاعتداء على الأعيان المدنية وتعريض أمن المقدسات والآمنين للخطر يستحضر صفحات مؤلمة من تاريخ الأمة الإسلامية، حين امتدت يد العدوان إلى الحرمات التي عظّمها الله. وقد تختلف الأزمنة والوسائل، لكن حرمة الدماء والمقدسات لا تتغير.

ومهما حاولت ميليشيا الحوثي تصوير الاعتداءات على المرافق المدنية بمظهر القوة، فإن ترويع المدنيين وتعريض حياتهم للخطر لا يمثل بطولة، ولا يمنحه أي شعار مشروعية شرعية أو قانونية.

وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة: [190].

ومن الناحية النظامية، تناولت المادة الثانية والأربعون من نظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله إتلاف المرافق العامة والخاصة ووسائل النقل ومنشآت الملاحة أو تعريضها للخطر تنفيذًا لجريمة إرهابية. وأفرد نظام الطيران المدني أحكامًا لأمن الطيران وسلامته، فيما اعتنى نظام حماية المرافق العامة بصيانة الخدمات الأساسية، ومنها الكهرباء.

وفي ميدان الشعر الحماسي المعاصر، يبرز العقيد الدكتور الشاعر مشعل بن محماس الحارثي، الذي عبّر عن مشاعر الاعتزاز بسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ومن ذلك البيت المتداول:

»وحنا لعينا محمد روسنا فدا له

من ساعة الصفر فيها لين ينهيها«

ويستحضر هذا البيت معنى الوفاء للقيادة في أوقات الشدة، ويصور ارتباط الشعر الوطني بالمواقف التي تستدعي الثبات والمسؤولية.

وفي المعنى ذاته، يقول الشاعر ضيدان بن قضعان العرجاني، في قصيدته التي ألقاها أمام سمو ولي العهد خلال مهرجان ولي العهد للهجن عام 2018م:

»هذا محمد وأذعنوا يا مجانين

منتم بقدّه في الخفاء والبياني«

وهي أبيات تتسم بجزالة اللفظ وقوة النبرة الشعرية، وتعبر عن الاعتزاز بالقيادة ومكانتها في الوجدان الوطني.

ولم تقتصر القصائد الحماسية على التعبيرعن الاعتزاز بالقيادة، بل امتدت إلى تخليد مواقف رجال الأمن وتضحياتهم.

ومن أبلغ الشواهد ما قاله العميد الشاعر مساعد الرشيدي، رحمه الله، في الإشادة برجل الأمن جبران عواجي:

»ما دام يولد للوطن مثل جبران

تموت عدوان الوطن ما تطوله«

وقد كتب الرشيدي هذا البيت قبل وفاته بأيام في يناير 2017م، فبقي شاهدًا على تقدير البطولة والإخلاص في أداء الواجب، وعلى قدرة الشعر على حفظ المواقف الوطنية في ذاكرة المجتمع.

أما الشاعر فلاح بن محمد القرقاح، فقد اختصر معنى التكاتف الوطني بقوله:

»حنا لدولتنا جنودٍ مجندة

حنا ذخايرها وحنا دروعها«

وهي صورة شعرية تجعل من المواطن سندًا لوطنه، وتؤكد أن المحافظة على أمن البلاد ومكتسباتها مسؤولية يشترك فيها الجميع، كلٌّ بحسب موقعه وعمله.

وتحضر القصيدة الفصيحة إلى جانب الشعر النبطي، فقد عبّر صاحب السمو الملكي الأمير عبد الرحمن بن مساعد بن عبد العزيز عن ارتباط السعوديين بأرضهم وقيادتهم في قصيدته الوطنية المنشورة في سبتمبر 2026م، بقوله:

»نحن السعوديون نعشق أرضنا

وملوكنا الأبرار والأطهارُ«

وقد استحضر سموه في قصيدته تاريخ الأمة الإسلامية، وشرف خدمة الحرمين الشريفين، رابطًا الهوية السعودية بمعاني الثبات والصبر والحكمة في مواجهة التحديات.

وهكذا تلتقي القصائد الحماسية في معانٍ وطنية جامعة؛ فالحماسة ليست اندفاعًا مجردًا، وإنما تعبير عن الانتماء والوفاء واستحضار المسؤولية.

وقد قررت المادة الثامنة من النظام الأساسي للحكم قيام الحكم على العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية، وأبرزت المادة السادسة والثلاثون عناية الدولة بأمن المواطنين والمقيمين، كما أكدت المادة التاسعة والثلاثون دور وسائل الإعلام والنشر في دعم الوحدة الوطنية وعدم إثارة الفتنة والانقسام.

ولأن الشعر جزء من تاريخ الأمم ووجدانها، فقد أكدت المادة التاسعة والعشرون من النظام الأساسي للحكم رعاية الدولة للآداب والثقافة وصيانة التراث الإسلامي والعربي؛ ومن هنا تبرز أهمية حفظ القصائد الوطنية بوصفها إرثًا أدبيًا يوثق المواقف وينقل قيم الانتماء إلى الأجيال.

ولقد أرسى الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، رحمه الله، دعائم هذه الدولة على التوحيد واجتماع الكلمة وتحقيق الأمن، ومضى أبناؤه الملوك من بعده على هذا النهج، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، حفظهما الله.

وفي ظل هذه القيادة، تواصل المملكة مسيرتها في البناء والتنمية والمحافظة على ثوابتها ومكتسباتها، فيما يؤدي رجال القوات المسلحة والقطاعات الأمنية واجباتهم في حماية البلاد ومقدساتها، ويشارك أبناء الوطن في نهضته من مختلف مواقعهم.

وهنا تتجلى منزلة القصائد الحماسية في ذاكرة الأزمات؛ فهي تحفظ المواقف وتخلّد التضحيات، وتذكّر الأجيال بأن قوة الوطن تقوم - بعد توفيق الله - على وحدة قيادته وشعبه، والتمسك بعقيدته، والوعي بمسؤولياته.

وستظل قصائد شعراء الوطن حاضرة في ذاكرة السعوديين، تستيقظ كلما اشتدت الأزمات، وتتردد كلما استدعت الأحداث معاني الثبات والفخر والاعتزاز.

فبعض القصائد ينتهي أثرها عند آخر قافية، وبعضها يبدأ أثره الحقيقي حين تحتاج الأمة إلى استعادته؛ وتلك هي القصائد التي يكتبها الشعراء، ويحفظها الوطن في ذاكرته.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام أمنها وعزها واستقرارها، وأيّد قيادتها، وحفظ جنودها ورجال أمنها، وأدام على هذه البلاد نعمة التوحيد واجتماع الكلمة.